فاطمة جمال أكتبُ كي لا أفيض… والكتابة ليست مجدًا بل نجاة
لا أفيض... والكتابة ليست مجدًا بل نجاة

إدارة الحوار : سارة أبو عميرة
في عالمٍ مزدحم بالضجيج، تنحاز فاطمة جمال إلى الكتابة كملاذ، وكرفيقة درب تهدهد روحها، وتعيد ترتيب فوضاها الداخلية على الورق. هي ليست مجرد كاتبة، بل حالة شعورية كاملة، تمشي على الحبر وتتنفس بالحروف.
في هذا الحوار المختلف، نبحر مع فاطمة في دهاليز النفس، وفي حكايات الكتابة، ووجعها، وسرّها الدفين.
الكاتبة فاطمة جمال من هي فرغل بعيدًا عن الألقاب؟
أنا فتاة تُحب الحياة من زواياها الهادئة، تُصادق الحزن إذا مرّ، وتُطبطب على روحها بالكتابة. لستُ إلا قلبًا يكتب كي لا يفيض، وعقلًا يعيد ترتيب الفوضى على الورق. أعيش بين الكلمات أكثر مما أعيش بين الناس، وأبحث دائمًا عن الله في التفاصيل.
لو لم تُمنحي القدرة على الكتابة، ما الوسيلة التي كنتِ ستعبّرين بها عن نفسك؟ ولماذا؟
كنت سأغني، ربما بصوتٍ لا يسمعه أحد، لكن يكفيني أن يُخفف عني. أو كنت سأرسم، لا وجوه ولا ألوان، بل مشاعر تُرى. لأني مؤمنة أن التعبير ليس وسيلة بل حاجة داخلية، ستجد طريقها بأي شكل.
هل تكتبين لأنكِ تفهمين الحياة، أم لأنكِ تحاولين فهمها؟
أكتب لأن الحياة تُربكني، ولأنني أبحث عن ترتيب داخلي يُشبه السلام. أكتب لأتلمس المعنى، لا لأعلن أنني وجدته.
هل الكتابة عندك “صنعة” تتقنينها، أم “نزف” لا تملكين إيقافه؟
هي نزف. لو كانت صنعة، لتوقفت حين تعبت، لكنها تنهض فيّ حتى في أقصى درجات الإنهاك.
ما الجُرح الذي لم تكتبيه بعد؟ ولماذا تترددين؟
جرح الخذلان من أقرب الناس. لا أكتبه لأني أخاف أن ينكسر شيء داخلي نهائيًّا إن صار على الورق.
إذا أُجبرتِ على حرق كل كتاباتك السابقة مقابل كتابٍ واحدٍ عظيم يخلّد أسمك هل تقبلين؟
لن أقبل. الكتابة عندي ليست مجدًا، بل أرواح صغيرة كتبتها لأعيش. لا أستبدل عمرًا واحدًا بكل الخلود.
ما العبارة أو السؤال الذي لو قرأتيه في رواية أحدهم، لشعرتِ أنه يسرقك من الداخل؟
“هل تذكركِ عندما تصمتين؟ أم ينسى صوتك بين ضجيج الحياة؟”
هل تكتبين لتغيّري الواقع أم لتتعايشي معه؟ وهل نجحتِ؟
أكتب لأتعايش معه، لأُهدهد قلبي وأقنعه أن الحياة محتملة. ونجحت… على الأقل حتى الآن.
إذا وجدتِ نفسكِ تعيشين داخل أحد كتبك.. هل ستتمنين الخروج منه أم البقاء؟
سأبقى، حتى في أحلك النصوص. لأنني صنعت تلك العوالم بنبضي، وفيها من ملامحي ما لا أجده خارجيًا.
ما العلاقة بين “الصدق” و”الخيال” في أدبك؟ وهل يمكن للخيال أن يكون أصدق من الواقع؟
الخيال أحيانًا أكثر صدقًا من الواقع. لأنه يُعرّي ما لا نجرؤ على قوله وجهًا لوجه.
هل يمكن للكاتب أن يكتب ما لا يؤمن به؟ وهل فعلتِ ذلك يومًا؟
يحدث أحيانًا، حين نكتب من وجهة نظر لا تُشبهنا. فعلتُها مرة، ولم أشعر بالانتماء للنص.
كيف تتعاملين مع فكرة “الفشل الأدبي”؟ وهل جربتِها سرًّا؟
أخافها بصمت. نعم، جربتُها حين كتبت ولم أشعر بما كتبت. وكأن روحي لم تكن هناك.
أي أقرب إليكِ: القارئ الذي يفهمك، أم القارئ الذي يتأثر بك حتى لو فهمك بشكل مختلف؟
ذاك الذي يتأثر بي، حتى لو أخطأ في فهمي. لأن الأدب شعور قبل أن يكون تفسيرًا.
هل للكتابة “عُمر افتراضي”؟ ومتى يشعر الكاتب أن قلمه تعب؟
الكتابة لا تموت، لكنها تمرض. حين نكتب فقط لأننا يجب أن نكتب، لا لأننا نحتاج.
لو جاءت شخصية من شخصياتك الخيالية لتعاتبك ماذا ستقول لك؟
“لماذا جعلتِني أُحب ثم أفقد؟ لماذا لم تكتبي لي نهاية تُشبه ما حلمتِ به لي؟”
من الكاتبة التي تخيفك قراءتها؟ ولماذا؟
غادة السمان. لأنها تكتب وكأنها تسلخ جلد روحك، بلا رحمة، بلا تردد.
ما أكبر كذبة أخبرتنا بها الروايات؟ وهل صدّقتها يومًا؟
أن الحُب يُنقذ. صدّقتها يومًا، حتى اكتشفت أن الحُب لا يُنقذ إلا إذا أنقذتنا أنفسنا أولًا.
هل تُؤمنين أن الكاتب يستطيع التنبؤ بالمستقبل من خلال اللاوعي؟ هل حدث معك؟
نعم، حدث. كتبت مرة مشهدًا خياليًا، ثم وقع كما كتبته، بحذافيره تقريبًا. كأن الحبر كان نبوءة.
ما الشيء الذي تخافين أن يكتبه عنكِ الآخرون؟
أنني “ادّعيت الألم”، أو أنني “أفرطت في الوجع”. لأنني لم أفعل… أنا فقط لم أكن أملك غير الكتابة.
هل تشعرين أحيانًا أن الكتابة تسرق منكِ أشياء في الحياة؟ مثل الحب أو الراحة أو الوقت؟
نعم. الكتابة تأخذني من لحظات كان يجب أن أعيشها، لكنها تعوضني بلحظات أعمق مما توقعت.
لو توقفتِ عن الكتابة يومًا ما الذي قد يدفعك للعودة؟
الحنين. لأن الكتابة ليست مجرد فعل، بل وطن صغير أعود إليه حين يضيق الكون.
كلمة أخيرة نختم بها؟
احفظوا قلوبكم… فهي الشيء الوحيد الذي لا يُعاد كتابته إذا تمزق.
في زمنٍ تتسارع فيه الخطى وتضيع فيه الأصوات، تظل الكتابة ملاذًا نقيًّا لأرواح اختارت أن تنجو بالحرف، وتقول ما لا يُقال. فاطمة جمال فرغل ليست مجرد كاتبة؛ بل شاهد على أن الحرف يمكن أن يكون صلاة، وأن الوجع حين يُكتب، يُشفى. هي أنثى من ضوءٍ ونزف، تخطّ وجعها بخفة، وتعيدنا إلى أنفسنا عبر مرايا صادقة من الحبر.
هكذا تمرّ الكلمات بين يديها لا لتروي الحكايات فحسب، بل لتخلّف أثرًا، وتهزّ يقينًا، وتُعيد ترتيب الفوضى في دواخلنا. ولعل هذا هو جوهر الأدب الحق… أن يُوقظك، حتى وأنت تحلم.






