فن

إلغاء فيلم إبراهيم عيسى….تأجيل عملي أم إلغاء دائم

بقلم مصطفى نصار

الانعطاف غير المتوقع ….جذور إلغاء فيلم الملحد .

في مفاجأة غير متوقعة ، أعلن تأجيل فيلم “الملحد “من تأليف و سينايور الكاتب و الإعلامي إبراهيم عيسى، الذي كتب على تويتر أن “الفن أهم من الحياة …الفن أهم من الدين ….الفن أهم من الموت ”، في إشارة واضحة على حنقه المدفون و الظاهر بين الكلمات على إلغاء الفيلم مؤقتًا و ليس مراعاة اهتمام لقيمة الفن فحسب ، فالفيلم الذي كان من المنتظر عرضه يحكي قصة شاب. ملحد أهدر أبوه الشيخ دمه لاختلافه الفكري معه من على المنبر ، و يثير نوع من التعاطف و القبول للملاحدة تحت ستار الاختلاف و التنوع .

و رغم ملابسات الإلغاء و التأجيل ، فإنه جاء نتيجة سرقة ملكية فكرية من المؤلف و السيناريت نادر سيف الدين لفيلم من تأليفه بنفس الاسم في عام ٢٠١٤ ، أي المؤلف رفع قضية على المؤلف و المنتج أحمد السبكي لسرقة الملكية الفكرية ، مما نقل الموضوع لساحة القضاء و أجل الفيلم لحين إنهاء الأزمة التي من المتوقع التعويض العادل لصالح المؤلف المهدور حقه بمبلغ يترواح من ربع مليون لنص مليون جنيه .

و قد أثارت أعمال إبراهيم عيسى من مسلسلات و أفلام و روايات سابقة الكثير من الجدل و اللغط لمخالفتها قيم المجتمع و مهاجمتها لثوابت الدين و التركيز على قضايا إشكالية عديدة ليس للناس علم بها مثلما حدث في مسلسل فاتن أمل حربي و قضايا جدلية الحضانة و نسيبتها للأم ، و كذلك رواية حروب الرحماء و مولانا و رحلة الدم ، التى تعتبر تجني على التاريخ و التأريخ الإسلامي الذي تجد رواياته المعاصرة كذلك على قدر من التوازن و الحياد الذي لا يخالف معايير القصة و الحبكة التاريخية ، فضلًا عن المبالغة النابعة من التحيز الايدولوجي العالماني الذي يفوح من تلك الروايات التي تنم عن عاطفة كارهة محركة للأحداث تريد فقط اجتساس أي جذر للإسلام من البلاد لتتحول لساحة من العبيد فاقدي العقل هدفهم فقط أن يكونوا بهائم بلا عقل سوى اللقمة و الزواج ، أي عبيد دنيين بدرجة تتماهي مع رغبة الدولة في ذلك .

و من الجدير بالذكر إلغاء رواية لعيسى في عهد مبارك لإن هجومه و سماحه به كان سيحدث جللًا يكفي لإسقاط و مجيء نظام مدني لما مثله المجتمع آنذاك من سلطة قوة و منعة و إن كان هشًا ضعيفًا لكنه كان لا يزال قويًا . فكما يقول جمال أمين في كتابه ماذا حدث للمصريين ، أن الاختلال المجتمعي في عهد السادات أحدث هوة بين الاستهلاك و الطبقية مما جعل الترقي الطبقي و الانفتاح هدفًا في حد ذاته لطبقات بأكملها ، و الهوة أكسبت المجتمع قوة و منعة لما تمتع به من بوصلة مكنته من البقاء و الوصول للهدف . أي الأزمة الخاصة بالانفتاح لن توثر في أسس المجتمع لاستقراره و أصاليته و تمسكه شبه الكلي بقيمه و مبادئه .

بخلاف التوقع في عصر السادات ، تمسك المسؤولون في عصر مبارك بنفس مبدأ عدم غضب المجتمع و تجاوز قيمه و مبادئه لنصل لحالة يحارب فيها الفرد و المجتمع بشتى الأدوات من حرب نفسية و فكرية في حياته اليومية لما يريده النظام الدولي من اختلال و تنميط الإسلام و مسخه في عقول المصريين ، و قد نحجوا جزئيًا باقناع المرأة على سبيل المثال أن رقص الحفلات فرحة و أن الحرية بمدى ترك الفرد لفردانيته تقتله و تبعث به ، و هز قواعد الترابط الأسري ، و دوامة الإفقار الممنهج ، و محاولة زعزعة قلعة الإسلام بتدشين مركز تكوين بتمويل سخي و ابتكار سرديات تأويلية جديدة بدافع ظاهري منمق و هو هجوم الإسلام السياسي ، و تجديد الخطاب الديني و فتح الأبواق الفاسدة لمنافقي الدين و التنويرين الجدد و التركيز على السينما باعتبارها منارة للهجوم الدائم على الثوابت و اللحية و النقاب ، و لهذا لن يؤجل الفيلم كثيرًا للأسباب السالفة .

معز و إبراهيم و مصطفى….عدة وجوه لأجندة بناء إسلام جديد .

في كتابي بناء شبكات الاعتدال الإسلامي و الإسلام المدني الديمقراطي، يخبرنا باحثو مؤسسة راند البحثية أن الإسلام يحتاج لتحديث و اعتدال عن طريق عدة أمور أهمها دفع الحديثين و الصوفية لتصدر أمور الدين في الحياة العامة و تصفية دور الدين بعدة محاور ، أكثرها خطورة تقريب الدين من منزلة المؤنس العاطفي أو حتى العدو أو المؤخر و المعطل للتنمية و التقدم.

و في نفس الوقت ، يركز على بناء أجيال جديدة هدفها الأول و الأخير الحياة و تصدر الأضواء و رؤية النقد في حد ذاته لفعلهم بصفته إرهابًا و تزمتًا و تطرفًا ، و أن الخروج مع الشباب محلل في الإسلام، بل تخطى الأمر لاستخدام التنوع بصفته دينًا في حد ذاته لتسويق الإسلام باعتباره سلعة كما أكد البروفسور باتريك هايني في كتابه إسلام السوق، أي تحويل الإسلام من منهج متكامل لسلعة تستهلك لوقت بعينه ، و تصدير رأي أن مرجعية الإسلام الفرد ذاته لا قرآن يؤسس و سنة تبني ، و هو ما رأيناه جليًا في العشرية الماضية .

و تلك المنظومة يجب أن تتوافق مع موجة شكوكية غير طبيعية و ليس لها معالم و التحدث عن أمور تخصيصة في مجتمع يعرف بالكاد معنى دينه لإسقاط هيبة السنة و الدين ، و تفعيل منظومة التطرف التسامحي الذي تحدث عنها اللاهوتي دي أيه كازون في كتابه طاغوت التسامح .

و لهذا ، يجب تناول الظواهر العجيبة بمنتهى النقد اللاذع حتى تدفن تحت التراب ، فهي ظواهر متهافتة تسقط صريعة أمام الترياق الوحيد الذي وقف أمامه طويلًا متحديًا القساوسة و العلمانيين في الولايات المتحدة جاري ميلر في كتابه القرآن المعجز ، الذي كتبه ليقول للولايات المتحدة أن الإسلام قوي بذاته منيع بخصائصه ، لا يسقط بمجرد سلسلة من الكتب أو المسلسلات السطحية .

و لفك الاشتباك الحادث بين الاقتصاد و الإسلام، من الواجب نقل الرؤية الاقتصادانية من مجرد المال في حد ذاته كوسيلة لإكمال اليوم للإيمان بالرزق الحقيقي و ليست كلمات جوفاء ليس لها مغزى ، فنجاح تلك الأفكار الإلحادية يتناسب مع استفحال المادية و جورها .

و يضيف على عزت بيجوفيتش الرئيس البوسني الراحل في كتابيه الإعلان الإسلامي و الإسلام بين الشرق و الغرب أن التعفن النابع من المجتمعات سبب رئيسي في أمرين انحدارها و ترديها في كل أمور الحياة و تولية ما يسيقهم سوء العذاب من أحكام جائرة و حياة تالفة لغاية أن تنتهى مهلة الله لهم ، فإن انتهت و لم يفيقوا حق لهم العذاب المطول في الدنيا و البعد عن نصرنة الإسلام باعتباره منهج شعائري فقط لا يربو من حقيقته و جوهره .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى