التصوف وحقيقة الدعم الغربي.. كشف الأسباب الجيوسياسية والتقارير الاستراتيجية
حقيقة الدعم الغربي للصوفية

كتبت ـ ميادة قاسم
في عصرنا الحالي، يُلاحظ الجميع دعم غربي متزايد للتصوف، كتيار إسلامي “معتدل”، خاصة من الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، فهذا الدعم ليس مصادفة، بل يأتي ضمن استراتيجيات مدروسة لمواجهة التيارات الإسلامية الأخرى مثل السلفية أو الجهادية، ويعود جزء كبير من هذا التوجه إلى تقارير مؤسسة راند، التي أوصت بدعم الصوفية كبديل “آمن” لتعزيز الاستقرار في العالم الإسلامي.
تقرير راند: “الإسلام الديمقراطي المدني” و”بناء شبكات مسلمة معتدلة”
أصدرت مؤسسة راند، وهي مركز بحثي أمريكي يركز على مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تقريرًا بعنوان “Civil Democratic Islam: Partners, Resources, and Strategies” عام 2004 ، وليس 2005 كما يُشاع أحيانًا، أعده الباحثة شيريل بينارد. التقرير يصنف التيارات الإسلامية على طيف من “الأصولية الراديكالية” إلى “العلمانية الراديكالية”، ويوصي بدعم التيارات “المعتدلة” مثل الصوفية لمواجهة الراديكالية، ويُبرز التقرير أن الصوفية تركز على الجوانب الروحية والتسامح، مما يجعلها شريكًا محتملًا ضد التطرف.
تلاه تقرير آخر عام 2007 بعنوان “Building Moderate Muslim Networks”، الذي يقترح بناء شبكات مسلمة معتدلة مستوحاة من تجربة الحرب الباردة الأمريكية ضد الشيوعية، ويوصي التقرير بإنشاء قاعدة بيانات دولية للشركاء المعتدلين، ودعمهم ماليًا وتنظيميًا، مع التركيز على الصوفية كعنصر أساسي في هذه الشبكات.
ووفقًا للتقرير، يمكن للصوفية أن تكون حاجزًا أمام الأفكار المتشددة التي ترفض الديمقراطية أو تدعو للعنف. هذه التقارير لم تكن نظرية؛ فقد ترجمت إلى سياسات عملية، مثل تمويل ترميم المواقع الدينية الصوفية.
الدعم الأمريكي العملي تحت إدارة بوش: تمويل الأضرحة والمبادرات الدينية
في عهد الرئيس جورج بوش الابن 2001-2009، أصبح دعم الصوفية جزءًا من سياسة “الحرب على الإرهاب”. على سبيل المثال، أنشأ بوش “صندوق السفراء للحفاظ على التراث الثقافي” عام 2001، الذي يمول ترميم المواقع التاريخية، بما فيها الأضرحة الصوفية في دول إسلامية.
وفقًا لتقارير، خصص الكونغرس ملايين الدولارات لهذه البرامج، بما في ذلك إعادة بناء أضرحة في العالم الإسلامي، كجزء من جهود تعزيز “الإسلام المعتدل”. كما دعمت الإدارة شخصيات صوفية لتولي مناصب رسمية، وموّلت مجلات، جمعيات، ومراكز بحثية تروج للتيار الصوفي. هذا الدعم امتد إلى الإعلام، الذي ركز على “كرامات الأولياء” ومواليدهم لتعزيز صورة إيجابية للصوفية.
بالإضافة إلى ذلك، أنشأ بوش مكتب البيت الأبيض للمبادرات الدينية والمجتمعية عام 2001، الذي سمح بتمويل المنظمات الدينية، بما فيها الإسلامية، لتقديم خدمات اجتماعية. وإن لم يكن هناك تمويل مباشر محدد بمليون دولار للأضرحة، إلا أن البرامج الثقافية والدينية تحت إدارته بلغت مليارات الدولارات، بما في ذلك دعم للتراث الإسلامي في الشرق الأوسط وآسيا.
أسباب الدعم الغربي للصوفية: تحليل استراتيجي
يُرى الدعم الغربي للصوفية من منظور جيوسياسي، حيث يساهم في تنفيذ مخططات في المنطقة: مثل ، نشر التشيع عبر الصوفية: تلتقي بعض الممارسات الصوفية الحديثة مع التشيع في الغلو بالأولياء وزيارة القبور، مما يسهل نشر الأفكار الشيعية وإثارة فتن طائفية سنية-شيعية، تسهل التدخل الخارجي وتقسيم الدول.
تشويه صورة الإسلام: التركيز على الخرافات والكرامات يصور الإسلام كدين غير عقلاني، مما يحد من انتشاره في أوروبا وأمريكا.
التركيز على الروحانية فقط: يروج الصوفية لفهم يقتصر على الشعائر والأذكار، بعيدًا عن “الإسلام كمنهج حياة شامل”، مما يضعف المشاريع الحضارية الإسلامية ويؤدي إلى جيل غير منتج في العلوم والاقتصاد.
تعزيز العلمانية: يساهم في فصل الدين عن السياسة، مما يجعل فكرة العلمانية مقبولة.
نشر البدع وهدم السنة: يعتمد على الرؤى والكشف بدلاً من الكتاب والسنة، مما يهدد العقيدة السنية.
انتشار الشركيات: يؤدي إلى هدم عقائد إسلامية أساسية.
الجبرية والاستسلام: في مسائل القدر، يميل إلى الجبرية، مما يعطل الجهاد ومقاومة الاحتلال.
رفض الشباب: يراه الشباب غير متوافق مع التقدم العلمي، مما يدفع للابتعاد عن الدين.
التاريخ الاستعماري: دعم غربي للتصوف ضد المقاومة الإسلامية
وفي السياق ذاته ، لم يقتصر الدعم على العصر الحديث؛ فقد استخدم الاستعمار البريطاني والفرنسي الصوفية للسيطرة. في الهند، مصر، السودان، باكستان، بنغلاديش، وإندونيسيا، دعم البريطانيون طرقًا مثل الشاذلية والنقشبندية لإضعاف المقاومة. كذلك، في شمال وغرب إفريقيا، ترك الفرنسيون حركات صوفية منحرفة مثل القاديانية والبهائية.
ومع ذلك، لم يكن كل التصوف متعاونًا؛ فقد قاوم بعض الصوفيين الاستعمار، مثل إمام شامل في الشيشان ضد روسيا حتى 1871، وعبد القادر الجزائري ضد فرنسا حتى 1883، وعمر المختار في ليبيا ضد إيطاليا حتى 1931. فهذا التناقض يظهر كيف استخدم الغرب بعض الطرق لأغراضه، بينما قاوم آخرون.






