عبدالرحمن محمد عبدالغني يكتب: أموال مراكز الشباب.. الجمعيات العمومية بين الرقابة وترشيد الإنفاق

في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة أهمية ترشيد الإنفاق، وتعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، تفتح الجمعيات العمومية لمراكز الشباب ملفًا يستحق المراجعة والتدقيق من جانب وزارة الشباب والرياضة، ليس اعتراضًا على الرقابة أو التنظيم، وإنما بحثًا عن إجابة واضحة ومحددة حول تكلفة إدارة هذه الجمعيات، وأعداد المكلفين بالإشراف عليها، ومدى تناسب تلك الأعداد مع حجم العمل الفعلي.
القضية ببساطة لا تتعلق بحقوق العاملين أو اعتراض على حصول أي موظف على مستحقاته القانونية، وإنما تتعلق بالسؤال الأهم: هل يتم إنفاق أموال مراكز الشباب بالقدر الضروري فقط، أم أن هناك أوجه صرف يمكن ترشيدها دون التأثير على سلامة الإجراءات؟
أرقام تحتاج إلى تفسير
بحسب ما يتم تداوله في بعض مراكز الشباب، يشارك في الإشراف على الجمعية العمومية الواحدة عدد يتراوح بين 6 و8 من العاملين بمديريات الشباب والرياضة، ويحصل كل فرد على نحو 650 جنيهًا، إلى جانب لجنة عليا قوامها 6 أفراد، يحصل رئيسها على نحو 1000 جنيه، بينما يحصل كل عضو على 850 جنيهًا.
وهنا تبرز عدة أسئلة مشروعة:
هل هذه الأعداد ضرورية بالفعل؟
وهل طبيعة الجمعية العمومية وحجم أعضائها يستلزمان وجود هذا العدد من المشرفين واللجان؟
وهل تتناسب قيمة المكافآت مع الإمكانات المالية المتاحة لمراكز الشباب؟
وهل تتحمل موازنة المركز هذه النفقات، أم توجد بنود أخرى تتحملها؟
أسئلة لا تحمل اتهامًا لأحد، لكنها تستحق إجابات رسمية واضحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال مخصصة في الأساس لخدمة الشباب.
مركز شباب يبحث عن جنيه.. فلماذا نُحمّله أعباء إضافية؟
المشكلة تصبح أكثر أهمية عندما نضعها في سياق الواقع المالي لبعض مراكز الشباب.
فهناك مراكز تعاني من محدودية الموارد، وتبحث عن التمويل اللازم لتنفيذ أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية، وأخرى تحتاج إلى صيانة منشآتها أو شراء مستلزمات أساسية أو تطوير ملاعبها.
وبعبارة بسيطة، هناك مراكز شباب قد لا يتوافر لديها فائض مالي كبير، ومع ذلك قد تتحمل نفقات إضافية مرتبطة بالجمعيات العمومية.
ومن هنا يأتي السؤال:
إذا كان من الممكن تنفيذ المهمة بعدد أقل من المشرفين وبتكلفة أقل، فلماذا لا يتم ذلك؟
ماذا تغير عن العام الماضي؟
من أهم النقاط التي تستحق الفحص والمقارنة، ما يثار بشأن أن بعض الجمعيات العمومية كانت تُدار في العام الماضي من خلال عدد أقل من المكلفين، قيل إنه وصل في بعض الحالات إلى ثلاثة أفراد فقط، وبكفاءة ودون التأثير على سير الإجراءات.
فإذا صحت هذه المقارنة، فإن السؤال يصبح أكثر وضوحًا:
ما الذي تغير هذا العام حتى ترتفع أعداد المشاركين في الإشراف؟
هل زاد حجم العمل؟
هل تغيرت اللوائح؟
هل صدرت تعليمات جديدة؟
هل أصبحت طبيعة الجمعيات العمومية أكثر تعقيدًا؟
أم أن هناك توسعًا في تشكيل اللجان والمكلفين يحتاج إلى مراجعة؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالتكهنات، وإنما تحتاج إلى قرارات التكليف الرسمية، وكشوف الحضور، ومستندات الصرف، واللوائح المنظمة.
الرقابة مطلوبة.. لكن ترشيد الإنفاق مسؤولية أيضًا
لا أحد يختلف على أهمية وجود رقابة حقيقية على الجمعيات العمومية لمراكز الشباب.
بل على العكس، الرقابة ضرورة لضمان سلامة الإجراءات، ومنع أي مخالفات، والتأكد من أن الانتخابات أو الاجتماعات تتم وفق القواعد القانونية واللوائح المنظمة.
لكن الرقابة لا تعني بالضرورة زيادة أعداد المشاركين إلى أقصى حد.
فالمطلوب هو رقابة فعالة بأقل تكلفة ممكنة، بما يحقق الهدف دون تحميل موازنات مراكز الشباب أعباء يمكن تخفيضها.
فالمال العام أمانة، وأموال مراكز الشباب أمانة مضاعفة، لأنها مخصصة في النهاية لخدمة الشباب والمجتمع.
هل أصبحت اللجان بابًا لمكافآت إضافية؟
وهنا يبرز تساؤل آخر يحتاج إلى إجابة رسمية، دون توجيه اتهام إلى أي شخص:
هل تضخم أعداد اللجان والمكلفين بالإشراف على الجمعيات العمومية أصبح وسيلة للحصول على مكافآت إضافية لعدد كبير من العاملين؟
هذا السؤال لا يعني أن هناك مخالفة بالفعل، ولا يصح التعامل معه باعتباره اتهامًا، وإنما هو تساؤل رقابي مشروع يمكن حسمه من خلال مراجعة المستندات وقرارات التكليف الرسمية.
فإذا كانت الأعداد مبررة، فليتم توضيح أسبابها.
وإذا كانت المكافآت مستندة إلى قرارات ولوائح واضحة، فليتم إعلان سند الصرف.
وإذا كانت موازنة مركز الشباب هي التي تتحمل التكلفة، فمن حق أعضاء المركز والرأي العام معرفة حجم هذه النفقات ومدى تأثيرها على الأنشطة والخدمات.
نريد كشف حساب واضحًا
المطلوب ليس أكثر من كشف حساب شفاف يجيب عن مجموعة من الأسئلة:
– كم عدد الجمعيات العمومية التي تم عقدها؟
– كم عدد اللجان التي تم تشكيلها؟
– كم عدد العاملين المشاركين في كل جمعية؟
– ما إجمالي قيمة المكافآت؟
– من الجهة التي تتحمل هذه التكلفة؟
– ما السند القانوني للصرف؟
– هل تم اعتماد قرارات التكليف وفق الإجراءات الرسمية؟
– هل تختلف التكلفة عن العام الماضي؟
– وإذا كانت هناك زيادة، فما أسبابها؟
– وهل كانت هناك ضرورة فعلية لزيادة أعداد المشرفين؟
الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة بإغلاق باب الجدل، وإثبات أن كل جنيه تم صرفه كان له مبرر قانوني وإداري واضح.
مقارنة بسيطة قد تكشف الكثير
من الضروري أن تجري وزارة الشباب والرياضة مقارنة بين تكلفة الجمعيات العمومية في العام الماضي والتكلفة الحالية.
فالأرقام وحدها قد تكشف ما إذا كانت هناك زيادة ملحوظة في النفقات، بينما تكشف أسباب الزيادة ما إذا كانت هذه الزيادة مبررة أم تحتاج إلى إعادة نظر.
وإذا تبين أن عدد المشرفين ارتفع، فيجب معرفة السبب.
وإذا ارتفعت قيمة المكافآت، فيجب معرفة السبب.
وإذا تغيرت طريقة تشكيل اللجان، فيجب معرفة الأساس القانوني والإداري لهذا التغيير.
فالشفافية لا تعني التشكيك في الموظفين، وإنما تعني حماية الموظف نفسه من الشبهات، وحماية المال العام من أي سوء استخدام.
مراكز الشباب ليست خزائن مفتوحة
يجب ألا نتعامل مع موازنات مراكز الشباب باعتبارها أموالًا بلا سقف.
مركز الشباب يحتاج إلى كل جنيه من أجل تطوير نشاط رياضي، أو إصلاح ملعب، أو صيانة مبنى، أو شراء أدوات، أو دعم نشاط ثقافي أو اجتماعي، أو توفير احتياجات الأعضاء.
وبالتالي، فإن أي مبلغ يتم إنفاقه على اللجان والمكافآت يجب أن يكون ضروريًا، ومبررًا، ومستندًا إلى قواعد واضحة.
وإذا كان بالإمكان تحقيق الغرض نفسه بعدد أقل من المكلفين، فإن ترشيد النفقات يصبح هنا أمرًا منطقيًا وليس انتقاصًا من حقوق أحد.
رسالة إلى وزارة الشباب والرياضة
نضع هذا الملف أمام وزارة الشباب والرياضة، بقيادة الوزير جوهر نبيل، باعتباره ملفًا يحتاج إلى مراجعة هادئة وموضوعية.
المطلوب ليس إلغاء الرقابة، ولا منع العاملين من الحصول على مستحقاتهم، وإنما مراجعة آلية تشكيل اللجان، وأعداد المكلفين، وقيمة المكافآت، والجهة التي تتحملها، ومدى توافقها مع اللوائح والقرارات المنظمة.
وإذا كانت الوزارة ترى أن الأعداد الحالية ضرورية، فمن حق الرأي العام معرفة المبررات.
وإذا كانت هناك إمكانية لإدارة الجمعيات العمومية بعدد أقل وتكلفة أقل، كما كان يحدث سابقًا، فإن ترشيد النفقات يصبح ضرورة تستحق التنفيذ.
المال العام أمانة
في النهاية، القضية ليست ضد موظف أو لجنة أو مديرية، وإنما هي قضية إدارة مال عام.
فالرقابة مطلوبة، والتنظيم مطلوب، وحماية الجمعيات العمومية من أي مخالفات أمر لا خلاف عليه.
لكن في الوقت نفسه، ترشيد الإنفاق مسؤولية لا تقل أهمية عن الرقابة.
وإذا كان هناك مركز شباب يبحث عن موارد لتوفير نشاط أو إصلاح منشأة، فمن الأولى أن تتم مراجعة كل بند من بنود الإنفاق، والتأكد من أن الأموال يتم توجيهها إلى ما يخدم الشباب بالفعل.
لذلك، فإن فتح ملف تكلفة الجمعيات العمومية لا يعني التشكيك في أحد، وإنما يعني طرح سؤال مشروع:
هل كل جنيه يتم إنفاقه ضروري؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلتكشف المستندات واللوائح ذلك.
وإذا كانت هناك أوجه صرف يمكن تقليلها دون التأثير على الإجراءات، فالأفضل أن يتم ترشيدها.
ففي النهاية، أموال مراكز الشباب ليست مجرد أرقام في دفاتر، وإنما موارد مخصصة لخدمة الشباب والمجتمع، وكل جنيه منها أمانة يجب أن يصل إلى المكان الصحيح.
الرقابة مطلوبة.. التنظيم مطلوب.. حقوق العاملين محفوظة.. لكن ترشيد المال العام أيضًا مسؤولية.






