إدارة الحوار/ عبدالرحمن فتحي عبدالنعيم نائب رئيس تحرير نيوز بالعربي.
تتسلل كثير من الأمراض المزمنة بصمت، من دون أعراض واضحة في بدايتها، لتتحول مع الوقت إلى مشكلات صحية معقدة إذا غاب الوعي أو تأخر التشخيص.
وبين أمراض الكلى والأنيميا واضطرابات الجهاز الهضمي، تتقاطع أسباب متعددة وعوامل خطر شائعة، ما يجعل الكشف المبكر والمتابعة الدورية ضرورة لا رفاهية.
وفي هذا الحوار الصحفي، يوضح الدكتور محمد ممدوح، طبيب الزمالة المصرية في الباطنة العامة وأمراض الكلى، أهم العلامات التحذيرية، وأبرز النصائح الطبية للوقاية وتجنب المضاعفات.

1- في البداية، هل يمكن أن تعرفنا بحضرتك وبأبرز محطاتك العلمية والمهنية في مجال الباطنة وأمراض الكلى؟
أنا الدكتور محمد ممدوح، طبيب بشري وحاصل على الزمالة المصرية في الباطنة العامة وأمراض الكلى، وخلال مسيرتي المهنية، أوليت اهتمامًا كبيرًا بالأمراض المزمنة، وفي مقدمتها أمراض الكلى، وارتفاع ضغط الدم، ومضاعفات مرض السكري، نظرًا لما تمثله هذه الحالات من تحديات صحية تتطلب متابعة دقيقة ورعاية مستمرة.
كما أحرص دائمًا على التطور العلمي والمهني من خلال متابعة أحدث المراجع الطبية والدورات التعليمية المتخصصة، إلى جانب اهتمامي بالتثقيف الصحي وتبسيط المعلومات الطبية للمرضى والجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، انطلاقًا من إيماني بأن التوعية الصحية أصبحت جزءًا أساسيًا من رسالة الطبيب في الوقت الحالي.
2- ما الذي جذبك إلى التخصص في أمراض الكلى والباطنة العامة تحديدًا؟
ما جذبني إلى التخصص في أمراض الكلى والباطنة العامة هو أن هذا المجال يجمع بين التفكير الإكلينيكي الدقيق والنظرة الشاملة إلى حالة المريض، إذ إن الكلى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعدد كبير من أجهزة الجسم ووظائفه، مثل القلب، وضغط الدم.
بالإضافة إلى مستويات السكر، والدم، والغدد، والجهاز المناعي، ولذلك فإن طبيب الكلى لا يتعامل مع عضو منفصل، بل يحتاج دائمًا إلى تقييم الحالة الصحية للمريض بصورة متكاملة.
كما أن هذا التخصص يمنح الطبيب فرصة حقيقية لمتابعة المرضى على المدى الطويل، والمساهمة بشكل مباشر في تحسين جودة حياتهم، سواء من خلال العمل على الوقاية من تدهور وظائف الكلى، أو التعامل مع الأمراض المزمنة والمضاعفات المصاحبة لها بصورة مستمرة ودقيقة.
3- هل أصبحت أمراض الكلى المزمنة أكثر انتشارًا في السنوات الأخيرة؟ وما الأسباب الرئيسية وراء ذلك؟
نعم، أصبحت أمراض الكلى المزمنة أكثر انتشارًا خلال السنوات الأخيرة على مستوى العالم، ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل المهمة، في مقدمتها زيادة معدلات الإصابة بمرض السكري، وانتشار ارتفاع ضغط الدم، إلى جانب السمنة وقلة النشاط البدني، والإفراط في استخدام بعض المسكنات، فضلًا عن التدخين وتأخر تشخيص المرض في كثير من الحالات.
وتكمن المشكلة الحقيقية في أن مرض الكلى المزمن قد يتطور على مدار سنوات دون أن يسبب أعراضًا واضحة في مراحله الأولى، وهو ما يجعل الاكتشاف المبكر أمرًا بالغ الأهمية.
لذلك يحتاج المرضى المعرضون للإصابة أو الذين لديهم عوامل خطر إلى متابعة دورية ومنتظمة مع طبيب متخصص، وفقًا لتقييم الحالة ورؤية الطبيب، سواء من خلال التحاليل الطبية أو الفحوصات والأشعة اللازمة.

4- ما العلامات أو الأعراض التي قد تنبه الشخص إلى وجود مشكلة في الكلى وتستدعي زيارة الطبيب؟
هناك عدد من العلامات والأعراض التي قد تستدعي التقييم الطبي للاطمئنان على وظائف الكلى، من أبرزها تورم القدمين أو الوجه، وارتفاع ضغط الدم، وظهور رغوة في البول، أو تغير لونه، أو وجود دم به.
بالإضافة إلى قلة كمية البول، والشعور بالإرهاق والضعف العام، وفقدان الشهية أو الغثيان، وكذلك ارتفاع مستوى الكرياتينين في التحاليل.
ومع ذلك، يجب التأكيد على أن بعض مرضى الكلى قد لا تظهر عليهم أي أعراض واضحة، خاصة في المراحل الأولى من المرض، وهو ما يجعل الفحوصات الدورية أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما لدى مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، باعتبارهم من أكثر الفئات عرضة للإصابة بمشكلات الكلى.
5- يعاني كثير من مرضى الضغط والسكر من مشكلات في الكلى، فكيف يمكنهم حماية الكلى وتقليل خطر المضاعفات؟
يعد مرض السكري وارتفاع ضغط الدم من أكثر الأسباب شيوعًا للإصابة بالفشل الكلوي المزمن، لذلك فإن حماية الكلى لدى هذه الفئة من المرضى تعتمد بشكل أساسي على السيطرة الجيدة على المرضين وتقليل العوامل التي تسرع تدهور وظائف الكلى.
ولتحقيق ذلك، ينبغي الحرص على ضبط مستوى السكر في الدم بصورة جيدة، والحفاظ على ضغط الدم ضمن المعدلات المستهدفة، مع إجراء تحليل البول وفحوصات وظائف الكلى بشكل دوري للاطمئنان على الحالة واكتشاف أي تغيرات مبكرًا.
كما ينصح بتقليل الملح في الطعام، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والإقلاع عن التدخين، والالتزام بالأدوية الموصوفة من الطبيب، إلى جانب تجنب تناول أي أدوية قد تضر بالكلى دون استشارة طبية، لأن بعض العقاقير قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة إذا استخدمت بشكل غير مناسب.
6- ما أكثر الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الناس وتؤثر سلبًا على الكلى، سواء في الغذاء أو استخدام الأدوية؟
هناك عدد من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثير من الناس وتؤثر سلبًا على صحة الكلى، من أبرزها تناول المسكنات لفترات طويلة دون إشراف طبي، وإهمال علاج ارتفاع ضغط الدم أو مرض السكري، إلى جانب استخدام الأعشاب أو الخلطات مجهولة المصدر، وتناول المضادات الحيوية من دون وصفة طبية.
ومن الأخطاء المنتشرة أيضًا الاعتقاد بأن الإكثار من شرب المياه مناسب لجميع المرضى، في حين أن الأمر يختلف من حالة إلى أخرى وفقًا لتقييم الطبيب والحالة الصحية العامة، كما أن تأخير زيارة الطبيب رغم ظهور بعض الأعراض قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة.
وفي المجمل، فإن هذه الممارسات قد تتسبب في تدهور وظائف الكلى بصورة تدريجية، خاصة إذا تكررت أو استمرت لفترات طويلة دون متابعة طبية مناسبة.

7- بحكم تخصص حضرتك في الباطنة العامة، ما أكثر الأمراض التي تلاحظ انتشارها بين المرضى في الفترة الأخيرة؟
بحكم العمل في تخصص الباطنة العامة، نلاحظ خلال الفترة الأخيرة زيادة في عدد من الأمراض الشائعة بين المرضى، من أبرزها مرض السكري، وارتفاع ضغط الدم، والسمنة، وأمراض الكلى المزمنة، والأنيميا، واضطرابات الجهاز الهضمي، إلى جانب ارتفاع الدهون في الدم وأمراض الكبد الدهني.
ويرتبط جزء كبير من انتشار هذه المشكلات الصحية بنمط الحياة غير الصحي، مثل قلة النشاط البدني، والعادات الغذائية غير المتوازنة، وزيادة معدلات السمنة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة ومضاعفاتها.
8- أمراض الجهاز الهضمي من المشكلات الشائعة أيضًا، فما أبرز الأسباب التي تؤدي إلى اضطرابات الجهاز الهضمي؟ ومتى يجب عدم تجاهل الأعراض؟
تتعدد الأسباب التي قد تؤدي إلى اضطرابات الجهاز الهضمي، ومن أبرزها اتباع نظام غذائي غير صحي، والتعرض المستمر للتوتر والضغوط النفسية، والإصابة بجرثومة المعدة، إلى جانب استخدام بعض الأدوية التي قد تؤثر في المعدة والجهاز الهضمي، فضلًا عن التهابات الجهاز الهضمي بمختلف أنواعها.
وفي المقابل، هناك مجموعة من الأعراض التي لا ينبغي تجاهلها وتستدعي مراجعة الطبيب، مثل فقدان الوزن غير المبرر، أو وجود نزيف، أو ظهور براز أسود، وكذلك الإصابة بالأنيميا، خاصة لدى كبار السن، وصعوبة البلع، والقيء المتكرر، وآلام البطن المستمرة.
فهذه العلامات قد تكون مؤشرًا على مشكلات تحتاج إلى تقييم طبي عاجل لتحديد السبب وبدء العلاج المناسب في الوقت المناسب.
9- الأنيميا أو فقر الدم من الحالات المنتشرة بين مختلف الأعمار، فما الأسباب الأكثر شيوعًا لها؟ وهل العلاج يختلف من حالة لأخرى؟
الأنيميا أو فقر الدم من الحالات التي تتعدد أسبابها، ومن أبرز هذه الأسباب نقص الحديد، أو نقص فيتامين ب 12، أو نقص حمض الفوليك، إلى جانب الأمراض المزمنة، وأمراض الكلى، وحالات النزيف، وبعض أمراض الدم الوراثية.
ولذلك لا يمكن التعامل مع الأنيميا باعتبارها حالة واحدة ذات علاج موحد، بل يجب أولًا تحديد السبب الرئيسي وراء الإصابة بها.
فالعلاج يختلف من حالة إلى أخرى بشكل واضح؛ إذ إن علاج الأنيميا الناتجة عن نقص الحديد يختلف تمامًا عن علاج الأنيميا المرتبطة بأمراض الكلى أو بالأمراض المزمنة.
فعلى سبيل المثال، قد يحتاج بعض مرضى الكلى إلى علاج تعويضي بهرمون كانت الكلى تفرزه بصورة طبيعية ويساعد على تكوين كرات الدم الحمراء، وذلك وفقًا لتقييم الطبيب والحالة الصحية لكل مريض.

10- هل يمكن أن تكون الأنيميا علامة على وجود مرض آخر يحتاج إلى تشخيص دقيق؟
بالتأكيد، قد تكون الأنيميا علامة على وجود مشكلة صحية أخرى تحتاج إلى تشخيص دقيق، وهنا تكمن أهمية عدم التعامل معها باعتبارها مجرد نقص في الحديد فقط.
فبعض الناس يظنون أن علاج الأنيميا يقتصر على تناول أقراص الحديد، لكن في الواقع قد تكون الأنيميا مؤشرًا على مشكلات أعمق تستوجب البحث عن السبب الحقيقي وراءها.
فالأنيميا قد ترتبط بوجود نزيف في الجهاز الهضمي، أو أمراض الكلى المزمنة، أو بعض الأورام، أو أمراض المناعة، أو أمراض الدم، كما قد تنتج عن سوء التغذية.
لذلك لا ينبغي الاكتفاء بتناول مكملات الحديد بشكل عشوائي من دون تقييم طبي مناسب، لأن العلاج الصحيح يبدأ أولًا بتحديد السبب الأساسي للحالة، ثم التعامل معه وفقًا للتشخيص الدقيق.
11- مع انتشار المعلومات الطبية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما رأيك في اعتماد بعض المرضى على النصائح المنتشرة عبر الإنترنت دون الرجوع للطبيب؟
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة مهمة في نشر التوعية الصحية وتبسيط المعلومات الطبية للجمهور، وهو أمر إيجابي في حد ذاته إذا قدمت المعلومة بشكل صحيح ومن مصدر موثوق.
ولكن المشكلة تظهر عندما يعتمد بعض المرضى على المعلومات العامة المنتشرة عبر الإنترنت في تشخيص حالتهم بأنفسهم أو في تناول الأدوية من دون الرجوع إلى الطبيب.
فالمعلومة الطبية لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الحالة الفردية لكل مريض، لأن لكل حالة ظروفها الصحية الخاصة وتفاصيلها المختلفة.
لذلك من الضروري أن يدرك المريض أن ما ينشر على مواقع التواصل قد يفيد في التوعية العامة، لكنه لا يغني أبدًا عن التقييم الطبي المباشر، ولا يجوز الاعتماد عليه وحده في التشخيص أو العلاج.
12- ما النصيحة التي توجهها للأشخاص الذين يعانون من الأمراض المزمنة مثل السكر والضغط للحفاظ على صحتهم وتجنب المضاعفات؟
أنصح مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى بالالتزام بالعلاج الموصوف وعدم التوقف عن تناول الأدوية أو تعديلها من دون استشارة الطبيب، مع الحرص على المتابعة الدورية وإجراء التحاليل والفحوصات المطلوبة بانتظام.
فالمتابعة المستمرة تساعد على اكتشاف أي تغيرات مبكرًا والتعامل معها قبل تطور المضاعفات، كما أن السيطرة الجيدة على المرض منذ المراحل الأولى تعد من أهم العوامل التي تقلل بشكل كبير من خطر حدوث المضاعفات على المدى الطويل.
ولذلك فإن الوعي بطبيعة المرض، والالتزام بالخطة العلاجية، واتباع نمط حياة صحي، كلها أمور أساسية للحفاظ على الصحة وتحسين جودة الحياة.
13- وأخيرًا، هل هناك رسالة أو نصيحة تود توجيهها للقراء بشأن أهمية الكشف المبكر والمتابعة الدورية للحفاظ على الصحة؟
رسالتي الدائمة هي أن الوقاية تظل خيرًا من العلاج، لأن كثيرًا من الأمراض المزمنة لا تسبب أعراضًا واضحة في بدايتها، وهو ما يجعل الكشف المبكر والمتابعة الدورية عاملين أساسيين في حماية الإنسان من مضاعفات قد تكون خطيرة إذا تأخر اكتشافها.
كما أدعو الجميع إلى الاهتمام بنمط الحياة الصحي، والابتعاد عن التدخين، وممارسة الرياضة بانتظام، والاعتماد على المصادر الطبية الموثوقة في الحصول على المعلومات الصحية.
وذلك مع عدم إهمال أي أعراض مستمرة أو غير معتادة، لأن التدخل المبكر في كثير من الحالات قد يصنع فارقًا كبيرًا في التشخيص والعلاج والحفاظ على جودة الحياة.





