
بقلم /مصطفى نصار
في البدء كانت مجريات الشهر الماضي: الطلاب وحدوا الجميع ضد عسكر بنغلاديش.
تابع العالم ما حدث في بنغلاديش حينما اندلعت مظاهرات الطلبة بسبب قانون التوظيف البنغالي المثير للجدل و الذي صدر في عام ٢٠١٧ ، و عدل عام ٢٠١٩ بقرار من المحكمة العليا البنغالية ، و الذي خفض النسبة المخصصة للتوظيف لأبناء و أقارب المحاربين القدماء لنسبة ٥% بعدما كانت ٣٠% و ١%فقط لذوي الهمم من مختلف الطبقات و الخليفات الاجتماعية .
و لعل أهم الأسباب التي أثير من أجلها الجدل هي التحيز لقدامى المحاربين الذين شاركوا في حرب الاستقلال عام ١٩٧١ مما يعطي انطباعًا بنية خبيثة بجذبهم و منحهم امتيازات استنائية لحماية النظام من السقوط أو منع أي انتفاضات شعبية و حكم البلد بالقبضة الحديدية .
و بعدما خرج الطلاب للشوارع ، نظرًا لعدة عوامل على رأسها القانون التمييزي و العنصري ، و تأمين مستقبلهم الغامض و الضبابي و ارتفاع معدل البطالة و الفقر ، مما سمح بتوسيع دائرة الانتفاضة لتشمل جميع أطياف الشعب من صغائره لكبائره .
و رد الجيش و الشرطة بالقمع المستمر و الوحشي للمتظاهرين ، الذي ترتب عليها قتل ٩٥ شخصًا في يوم الاتنين الماضي ٥ أغسطس، الذي أشعل الشارع و خاصة بعد ما بلغ إجمالي عدد القتلى ٣٥٠ و الآف المصابين الواصل عددهم لآلفين .
و منذ تلك اللحظة و الجيش و الأجهزة السيادية عنها للتخلى عنها للسيطرة على الثورة و حبك الخطة المناسبة لاجهاضها .
و كما هو معتاد في مسرح السياسة في العالم العربي والإسلامي أن الجيش و قائده يخرج ليعلن تكوين الحكومة الانتقالية حتى يهئأ الجو المناسب للانقلاب إما الناعم أو الصلب ، و هو ما اعترضه طلبات المتظاهرين بتولية رجل الأعمال محمد فوزي الذي فاز بجائزة نوبل للسلام عام ٢٠٠٧ بسبب اهتمامه بفقراء بنغلاديش و مهمشينها البالغ ، و ما يزال الحركة الإسلامية يتذكرون التاريخ الاستبدادي للإعدامات للعلماء و القادة السياسين البارزين مثل مطيع الرحمن نظامي و غلام أكبر .
و انتقلت تلك العدوى المتمثلة في مشاهد تحطيم تماثيل مجيب الرحمن المؤسس الفعلي للدولة و قائد استقلالها.حسينة واجد من الرئاسة للهروب :المرأة المستقواة التى حكمت بالحديد و النار .
هربت الشيخة حسينة بعد فشل و تركة كبيرة من المشكلات التي عاصفت بها البلاد من إفقار ممنهج ووضع اقتصادي و اجتماعي مزري من فقر و بطالة و جوع و فصل عنصري و طبقى حقيقي بدأ يتجلى بوضوح بعد فوزها للمرة الثانية في ٢٠٠٦ ، و أما بالنسبة لنشاطها السياسي قبل ذلك فكان خفيفًا بحيث يذكر فقط معارضتها للعسكر في البرلمان في بدايات الألفية الحالية مع خالدة ضياء أرملة حسين إيثار العسكري الأخير لحكم بنغلاديش ظاهريًا ، حين عودته لحكم البلاد بطريقة باكستان من وراء الستار .
و تولية حسينة بعد التخلص من والدها و نجاتها هي و شقيقتها فقط من الاغتيال بعد قتل العسكر لبقية أخواتها الثلاثة مثل لهم مصلحة ذهبية بالاستغلال الناعم تارة و التعاون معها أخرى حتى تسير السياسة و الأجواء العامة لصالحهم ، حتى جاءت الفترة الأولى لها و حكمت من ١٩٩٦ ليونيو ٢٠٠١ ، و المرة الثانية من ٢٠٠٥ حتى ٥ أغسطس ٢٠٢٤ .
في هذا الصدد ، تعاونت حسينة مع خالدة ضياء فترة من الزمن للمصالح المشتركة بينهما ، و المتمثلة في فوز كلتيهما بمقاعد البرلمان و بالفعل فازا الاثنيتان بالمقعد عن نفس الحزب باعتبار واحدة ابنه للمؤسس الفعلي للدولة مجيب الرحمن، و الأخرى أرملة مطيع الرحمن الجنرال ما قبل الأخير ، لمجيء لحظة الخلاف الجوهرية التي عصفت بالعلاقة للأبد متمثلة في الأزمة التي شككت فيها خالدة من نتيجة فوز حسيبة بالانتخابات في المرة الثانية .
و انتقمت منها حسينة شر انتقام بوضعها تحت الإقامة الجبرية و منعتها من السفر للقيام بعملية معقدة في الكبد ليس لها إمكانيات و لا صلاحيات للمستشفيات المهترأة للقيام بها ، لتنتهى حياة خالدة كحياة نجيب وحيدة منبوذة من شخص ظنتها صديقة أو زميلة لها في السياسة تربطهم مصالح مشتركة .و طال الانتقام أيضًا أعضاء الحركة الإسلامية من العلماء و الساسة الذي ترأسها الشيخ أبو الأعلى المودودي رحمه الله ، فأصدرت أحكامًا جائرة بالإعدام شنقًا على عدة قيادات بتهمة تسريب معلومات أثناء حرب التحرير ١٩٧١ و معارضتها و منهم:
_ الشيخ عبد القادر ملأ :أحد قيادات الحركة الإسلامية و قد أعدم في يونيو ٢٠١٣.٢
_الشيخ غلام أكبر التي تركته يصارع المرض و هو كهل كبير السن عنده ٩٣ عام حتى أتته المنية في أبريل ٢٠١٤.٣
_الشيخ العلامة مطيع الرحمن نظامي وزير الصناعة الأسبق ، و أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، حكم عليه بالإعدام في مايو ٢٠١٦ .٤
_الشيخ علي إحسان مجاهد أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش قبل مطيع الرحمن نظامي ، و حكم عليه بالإعدام في يوليو ٢٠١٥ .٥
_الشيخ خير الدين نكرشهرو :
و هو نائب أمين عام الحزب القومي البنغالي ، و حكم عليه بالإعدام يونيو ٢٠١٥ أي قبل على إحسان بشهر فقط .
و بالرغم من نفيها لسياسة التنكيل و الاختفاء القسري، إلا أنها كاذبة لإثبات المنظمات الحقوقية وجود و تفاشي الاختفاء بصفته سياسة عقابية خارج إطار القانون الدولي و المحلي ، و استمرت حتى الشهر الماضي ليبلغ عدد المختفين ٥٥٦٧ .
و أما بالنسبة للاقتصاد ،فحدث ولا حرج، فبعدما انتشلت الملايين من تحت خط الفقر في ولايتها الأولى انقلبت في الولاية الثانية لسياسة الترف و الفصل العنصري التى اتبعت في عهد السادات و مبارك بكثرة ، فأقامت لنفسها و أسرتها القصور و الفنادق و المنتجعات الفارهة ، حتى عام ٢٠٢٠ .
في ذلك العام ،ارتفع التضخم بنسبة ٧٥% لينزلق الملايين تحت خط الفقر مجددًا ، و تخرج الملايين التى تئن و تصرخ من حجورها لتسقطها و تدخل قصرها التي ظنت ، مثلما كل طاغية ، أنها لن تتركه حتى موتها . و لكن لحسن حظها أنها هربت قبيل أن تحاكم بتهم أكثر من مجرد معارضة الانفصال عن باكستان لظروف تاريخية معقدة لها وقتها لذكره .
في كتابي الأخلاق و السياسة و الطاغية ، طرح المفكر و الفيلسوف الراحل إمام عبد الفتاح إمام مسألة ديمومة الطغيان و الاستبداد السياسي و تحديدًا العسكري و أتى بإرهاصات من أوربا و الولايات المتحدة ليستخلص أن الطغيان يستمد مصدره من الشعوب و السياسية معًا ، أي ما يصدر من الشعوب من رد فعل غاضبة و حامسة تحمس الموازين قد تضع له حدًا للأبد و هو ما حدث بالفعل في فترة قياسية في بنغلاديش آملين بألا تتكرر تجربة ما بعد الربيع العربي مع البنغال.






