سبعة نعوش في يوم واحد قرية بقنا تبكي أبناءها العائدين من ليبيا
كتبت / سارة المتولي

سبعة نعوش في يوم واحد قرية بقنا تبكي أبناءها العائدين من ليبيا
تستيقظ قرية هادئة بمحافظة قنا على صباح مختلف، صباح لا يشبه أي يوم مضى، إذ تتحول شوارعها الضيقة إلى ممرات للحزن، وتمتلئ ساحاتها بوجوه واجمة وقلوب مثقلة بالفقد، بينما تستعد لاستقبال سبعة من أبنائها يعودون من رحلة الغربة لا يحملون حقائبهم هذه المرة، بل يعودون محمولين فوق الأكتاف داخل نعوش متجاورة.سبعة نعوش في يوم واحد قرية بقنا تبكي أبناءها العائدين من ليبيا
تبدأ تفاصيل المأساة عندما يتلقى الأهالي نبأ الحادث المروع الذي يتعرض له الشباب السبعة أثناء عودتهم من ليبيا، حيث كانوا يعملون بحثًا عن لقمة العيش وتحقيق أحلام بسيطة رسموها لأسرهم، فيتحول الخبر في لحظات إلى صدمة تجتاح البيوت بيتًا بيتًا، وتتعالى الصرخات في الأزقة، ويعم الذهول وجوه الجميع.
تتوالى الاتصالات بين الأهالي، ويتجمع الرجال أمام المنازل في حالة ترقب وقلق، بينما تحاول الأمهات استيعاب الخبر الذي يطرق قلوبهن بعنف، وتتحول أحاديث الصباح المعتادة إلى دعوات بالرحمة والستر، وسط حالة من الحزن تسيطر على القرية بأكملها.

تبدأ إجراءات نقل الجثامين، وتتابع الأسر التفاصيل لحظة بلحظة، بينما تنتظر القرية وصول أبنائها للمرة الأخيرة، في مشهد إنساني قاسٍ تتداخل فيه مشاعر الفقد مع ذكرياتهم وهم يودعونهم قبل السفر بأيام قليلة فقط، وهم يحملون آمالًا كبيرة بالعودة محملين بالرزق والنجاح.
تصل الجثامين تباعًا، وتتحول لحظة الوصول إلى مشهد مؤلم يختلط فيه البكاء بالدعاء، ويتجمع الأهالي بالآلاف في استقبال النعوش، حيث يسود الصمت تارة وتعلو أصوات النحيب تارة أخرى، بينما تتشابك الأيدي في محاولة لمواساة بعضهم البعض أمام حجم الفاجعة التي تضرب الجميع دون استثناء.

تتحول القرية إلى سرادق عزاء مفتوح، وتغلق العديد من المنازل أبوابها حدادًا، بينما يشارك الجميع في تجهيز الجنازات، ويقف الشباب صفوفًا متراصة استعدادًا لحمل النعوش، في مشهد يعكس وحدة القرية أمام الألم المشترك، ويؤكد أن الفقد لا يصيب بيتًا واحدًا بل يصيب قرية بأكملها.
تخرج الجنازات في موكب مهيب، وتتحرك النعوش وسط دموع الأهالي الذين يسيرون خلفها بخطوات ثقيلة، بينما تتردد عبارات الدعاء والرحمة، ويغيب صوت الحديث ليحل محله صوت الحزن الصادق، في لحظات تدونها الذاكرة الجماعية للقرية كأحد أكثر الأيام قسوة.
تتوقف الأمهات على جانبي الطريق، وتودع كل أم ابن القرية كأنه ابنها، بينما يحتضن الآباء بعضهم في صمت طويل، ويستعيد الجميع ذكريات الشباب السبعة الذين كانوا يملأون المكان بالحياة قبل أن تغيب ضحكاتهم فجأة.
يتحول المشهد إلى رسالة إنسانية مؤثرة عن ثمن الغربة وصعوبة الرحلة بحثًا عن الرزق، حيث يعيش كثير من شباب القرى نفس الحلم بالسفر والعمل خارج البلاد، في محاولة لتحسين ظروفهم ومساندة أسرهم، إلا أن القدر يكتب نهاية مختلفة لهؤلاء السبعة، فتتحول رحلتهم إلى مأساة تهز القلوب.
تظل القرية تحت تأثير الصدمة، وتستمر حالة الحزن مسيطرة على البيوت والطرقات، بينما يتداول الأهالي قصص الشباب وذكرياتهم الطيبة، ويؤكد الجميع أن رحيلهم المفاجئ يترك فراغًا كبيرًا لن يملأه شيء، وأن هذا اليوم سيبقى محفورًا في ذاكرة المكان طويلًا.
تتحول الجنازات الجماعية إلى لحظة تضامن إنساني واسع، حيث يشارك المئات من القرى المجاورة في تقديم العزاء، ويقف الجميع صفًا واحدًا أمام الفاجعة، مؤكدين أن الألم واحد وأن فقدان سبعة من خيرة الشباب ليس خسارة لأسرهم فقط بل خسارة لمجتمع كامل.
تبقى صور النعوش السبعة وهي تتجاور في ساحة واحدة مشهدًا لا يغادر الأذهان، وتظل دعوات الرحمة تتردد في كل بيت، بينما تحاول القرية لملمة جراحها والتمسك بالصبر، في انتظار أن يهدأ وجع الفقد الذي يسيطر على القلوب منذ لحظة وصول الخبر وحتى الآن.






