24 ساعة

كاتبة تسير بالحرف نحو الضوء وبالخيال نحو الحقيقة

بالحرف نحو الضوء وبالخيال نحو الحقيقة

بقلم: حنان حسن

مريم صموئيل الشرقاوي، محاسبة وكاتبة وروائية مصرية من محافظة الإسكندرية. حاصلة على دبلومة في الإرشاد النفسي، وتعديل السلوك، والعلاج المعرفي السلوكي.

صدر لي أربعة أعمال أدبية، شاركت بها في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهي:

مشاهد في السريع (2021) – مجموعة قصصية قصيرة

ما فقدته بين الأيام (2023) – رسائل

ما زال بداخلي (2024) – رواية

لو ما كان (2025) – رواية

بدأت علاقتي بالكتابة منذ أن بلغت الثانية عشرة من عمري، حين شعرت أن ما أحمله في داخلي أكبر من أن يُقال بالكلام العادي. كانت الكتابة آنذاك ملاذًا ألوذ به كلما ضاق بي الواقع، ثم شيئًا فشيئًا، تحوّلت إلى رسالة، حين وجدت أن ما أكتبه يصل إلى قلوب الآخرين كأنهم هم من كتبوه،لا أُقاوم لحظات الصمت، بل أؤمن أن الصمت جزء لا يتجزأ من فعل الكتابة، وأن غياب الإلهام لا يعني النهاية، بل هو استراحة لالتقاط الأنفاس، واستعادة الذات. في مثل تلك اللحظات، أترك القلم جانبًا، وأعيش اللحظة، وأنتظر أن تعود الكلمة بإرادتها لا برغبتي القسرية.

النقد، في نظري، جزءٌ أصيل من تجربة الكاتب. بعضه كان صادقًا وبنّاءً، وبعضه كان جارحًا وسطحيًا. تعلّمت أن أُصغي، أن أُفرّق بين من ينتقد لأجل التطوير، ومن يفعل ذلك لأجل الإيذاء، وتعلمت ألا أجعل من آراء الآخرين قيودًا تُكبّل قلمي.

أنا إنسانة وجدانية بالدرجة الأولى، حتى حين أفكر، فإن قلبي يشارك عقلي الرأي. وهذا ما ينعكس في كتاباتي، التي تميل إلى الغوص في المشاعر والتفاصيل الإنسانية الدقيقة، أكثر من اهتمامها بالتحليل العقلي والمنطقي الجاف.

أميل إلى الكتابة عن العلاقات الإنسانية، عن الحنين، الوحدة، الخسارة، وكل ما هو هشّ وعميق في النفس البشرية. هذه المواضيع تلامسنا جميعًا، لأنها تشكّل فينا ما لا يُرى بالعين، ولكن يُحسّ بصدق.

رسالتي أن تصل الكلمة كما شعرتُ بها، أن أترجم ما بداخلي بصدق، دون أن أفقد روحه أو أُضعف معناه. هدفي أن ألمس مشاعر القارئ الدفينة، وأن يشعر حين يقرأ، أن ما كُتب يعبّر عن شيء دقيق يسكنه، ولم يعرف كيف يبوح به.

في لحظات الحزن العميق، حين تعجز الحروف عن احتواء الألم، شعرت أحيانًا أن حتى اللغة تخونني، وأن الكتابة – التي اعتدتُ أن تكون عوني – وقفت حينها عاجزة مثلي، غير قادرة على مواساتي، ولا على ترجمة ما يفيض في داخلي من وجع.

هناك العديد من الكتب التي تركت أثرًا في نفسي، إذ لم يكن كتابًا واحدًا فقط، بل كل قراءة صادقة تركت بصمتها، وكل كاتب كتب من ألمه فتح لي نافذة جديدة لرؤية الحياة. غير أن من أكثر الكتب التي أثّرت فيّ كان الخيميائي، ببساطته وعمقه الرمزي، جعلني أبحث داخلي عن أشياء لم أكن أعلم بوجودها، وأتأمل الحياة من منظور جديد. علّمني أن الرحلة إلى الخارج، ما هي إلا انعكاس لرحلة أعمق إلى الداخل، وأن الكنوز الحقيقية غالبًا ما تكون تحت أقدامنا، لكننا لا نراها إلا بعد أن نضلّ ونحلم ونتألم ونعود.

أكتب أولًا لأفهم نفسي، ولأفكر بصوتٍ مسموع على الورق. وأكتب أيضًا لأمنح القارئ شعورًا بأنّه ليس وحيدًا، بأن هناك من يشبهه، ولو في وجع عابر، أو لحظة صدق. هناك من مرّ بما مرّ به، وشعر بما يشعر، وعبّر عما عجز عن قوله.

رسالتي لكل من يكتب: اكتب بصدق. لا تسعَ إلى الإبهار، ولا تقلّد أحدًا. لا تكتب لترضي الآخرين، بل كن صادقًا مع نفسك أولًا، فكلما كنت صادقًا، وصل صوتك أقرب وأعمق.

الرواية بالنسبة لي، هي المساحة الأوسع التي تسمح لي بالغوص في أعماق النفس البشرية، وتحمل التفاصيل الصغيرة التي تُبنى بها المشاعر والقرارات والتحولات. إنها الشكل الأدبي الذي يمكنني من قول كل شيء، دون أن أقول شيئًا بشكل مباشر، وأن أختبئ داخل شخصيات تشبهني أحيانًا، وتختلف عني أحيانًا أخرى.

الفكرة أحيانًا تولد من موقف عابر، من مشهد عادي، من نظرة أو جملة سمعتها مصادفة. وأحيانًا تأتيني الشخصية أولًا، بصوتها، وقلقها، وهمومها، وكأنها تناديني لأكتبها. لا أتّبع قاعدة ثابتة، فكل رواية لها طريقها الخاص في الولادة.

أما أصعب ما مررتُ به، فكان أن أشعر أن ما أكتبه لا يُعبّر عني، وأن أفقد الثقة في قلمي. تلك اللحظات التي يتراكم فيها الصمت داخلي، ويبدو كل شيء باهتًا ومكررًا، كانت من أقسى المواقف التي عشتها، لأنها جعلتني أُشكّك في نفسي، وفي اختياري للكلمة كطريق.

رحلتي الأدبية كانت – وما تزال – محاولة مستمرة لفهم ذاتي وفهم هذا العالم، من خلال حروفٍ كنت أظنها للآخرين، لكنها كانت تنقذني أنا أولًا.

وأحب أن أختتم بكلماتي هذه:

“المجدُ لمن اجتهدوا… لمن أرادوا من الحياة حياة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى