اقتصاد

اللواء رضا يعقوب يحلل نشأة النظام النقدي والمالي العالمي

تم وضع أسس النظام النقدى والمالى العالمى بعد الحرب العالمية الثانية فى المؤتمر الدولى فى غابات «بريتون وودز» الأمريكية عام 1944.

في هذا المؤتمر، صوتت وفود من 44 دولة لصالح معيار الدولار الذهبي الذي اقترحته الولايات المتحدة (أى تغطية الدولار بالذهب) حيث كانت العملة العالمية للمدفوعات الدولية للتجارة والإستثمار وتراكم الإحتياطيات الرسمية هي الدولار الأمريكى، وحصل الدولار على وضع خاص ليس فقط لأنه كان الوحدة النقدية لأقوى إقتصاد فى العالم فى ذلك الوقت، ولكن يرجع ذلك في المقام الأول الى حقيقة أن واشنطن ضمنت للسلطات النقدية فى الدول الأخرى التبادل الحر للدولار مقابل الحصول على الذهب من إحتياطيات الخزانة الأمريكية. بعبارةٍ أخرى، كان الدولار مدعوماً بكل من كتلة السلع التى ينتجها الإقتصاد الأمريكى وإحتياطياته من الذهب.إستمر معيار الدولار الذهبى أقل من عقدين. فمن ناحية، نما المعروض بالدولار فى العالم بسرعة كبيرة ومن ناحية أخرى، أصبح الوضع الإقتصادي للولايات المتحدة أكثر تواضعاً مقارنة بالإقتصادات الأخرى التى كانت تتعافى وتتطور بسرعة. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أن إحتياطيات الذهب الأمريكية بدأت في التلاشى، وكان هناك عدد من الدول التى أرادت إستبدال «الورقة الخضراء» بالمعدن الأصفر، وآخر شخص حصل على الذهب الأمريكى مقابل الدولار كان الرئيس الفرنسى شارل ديغول، كان هذا فى عام 1965، وحتى فى ذلك الحين، لم يستجب الأمريكيون لطلبه بشكل كامل،بعد ذلك، تم طوى الصفحة الأخيرة من تاريخ معيار الدولار الذهبى في 15 آب 1971، أغلقت وزارة الخزانة الأمريكية «نافذة الذهب». وفى عام 1973، قرر صندوق النقد الدولى التخلى عن أسعار الصرف الثابتة وتعادل الذهب للدولار الأمريكى، وبهذا، لم يعد معيار الدولار الذهبى موجوداً.البترو دولار نشأت هذه النظرية الإقتصادية بين الرئيس الأمريكى نيكسون بإتفاقية مع السعودية لمنع إستبدال الدولار بالذهب، ويستبدل البترول السعودى بالدولار، بترودولار مصطلح إقتصادى لوصف قيمة النفط المشترى بالدولار الأمريكى، وأول من إستخدم هذا المصطلح هو البروفسور إبراهيم عويس أستاذ علم الإقتصاد فى جامعة جورج تاون الأمريكية سنة 1973، البترودولار هى ببساطة دولارات أمريكية تم إستخدامها لشراء النفط الخام، يجب إعتبار مصطلح البترودولار كنظام وليس عملة مميزة، شهد نظام البترودولار قبول الدول المصدرة للنفط فى الغالب المدفوعات بالدولار الأمريكى، مما يكسب بشكل أساسى دولارات البترول، الدولار الأمريكى هو العملة الأقوى والأكثر استخداماً فى العالم، على هذا النحو، بالنسبة للعديد من البلدان المصدرة للنفط، فإن تلقى المدفوعات بالدولار الأمريكى أمر مريح للغاية.إكتسب مصطلح “البترودولار” سمعة سيئة فى السبعينيات عندما شهدت أزمة النفط إرتفاعاً حاداً فى أسعار السلعة. فى ذلك الوقت، إعتمدت معظم الدول المصدرة للنفط على دولارات النفط لتمويل ميزانياتها، وفجأة، كان لديها فوائض ضخمة فى الميزانية لكن أصل البترودولار يعود قليلاً الى الوراء.تعود جذور العلاقات السعودية الاميركية إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية، أى بعد خروج الولايات المتحدة من عزلتها التي عاشتها في الفترة ما بين الف وتسعمائة وعشرين والف وتسعمائة وإثنين وثلاثين، وما تخلّلها من حوادث كبرى على رأسها الكساد العظيم في عام الف وتسعمائة وتسعة وعشرين، فيما كان ملك السعودية عبد العزيز منشغلاً فى في حروبه الداخلية، خصوصاً الشمال والحجاز، وقد شكّل إنتخاب فرانكلين روزفلت فى العام ألف وتسعمائة وإثنى وثلاثين وإطلاقه وعداً بتشكيل حكومة فيدرالية وسياسة إقتصادية تقوم على التوازن في الموزانة تفضى الى معالجة آثار الكساد العظيم، فرصة مواتية له للإنفتاح على الخارج بدأها بسياسة «الجيرة الطيبة» مع كوبا ودول أمريكا اللآتينية، كما إستوعبت الإتحاد السوفيتي فقرّر إقامة علاقات دبلوماسية معه، ثم إنتقل الى أجزاء أخرى من العالم.بعد الإعلان عن قيام الدولة السعودية سنة 1932، وقّع عبد العزيز بعد أقل من عام إمتيازاً لصالح شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا (شيفرون حالياً)، للتنقيب عن النفط فى الجزء الشرقى من البلاد، وكان ذلك عملاً إستثنائياً يقوم به عبد العزيز رغم حساسية التعامل مع أجانب ومن ديانة أخرى غير الإسلام، وقد نجحت بعثات التبشير المسيحية المقيمة فى البحرين فى إقناع عبد العزيز بالتعامل مع الأمريكيين إذ قدّموا له ولجنوده العلاج الطبى، دون مزاولة مهمات تبشيرية من أى نوع.بعد توقيع أول معاهدة نفطية بين الملك عبد العزيز وشركة (ستاندر أويل أوف كاليفورنيا) المتخصصة في مجال الصناعة النفطية في (مايو) 1933 مقابل قرض قدره خمسون الف جنيه إسترلينى ذهب، وإيجار سنوى بقيمة (خمسة عشر ألف جنيه) تمّ اكتشاف النفط بكميات تجارية كبيرة خلال عام 1938.كانت السعودية أبرمت فى السابع من نوفمبر سنة 1933 إتفاقية مؤقتة مع الولايات المتحدة تتعلق بالتمثيل السياسى والقنصلى، والصيانة القضائية، والتجارة، وقّعها من الجانب السعودى الشيخ حافظ وهبة وزير المملكة السعودية بلندن، وهو بمثابة سفير، والأونارابل روبرت ورث بنجهام السفير المفوّض فوق العادة للولايات المتحدة الأمريكية فى العاصمة البريطانية، وتتعلق مواد الإتفاقية بالحصانة والإمتيازات المتعلقة بالممثلين السياسيين لكل من الدولتين، وخضوع رعايا البلدين للقانون الدولى وحماية وقوانين وسلطان الدولة، والضرائب على الواردات والصادرات، وبعد شهرين من إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وواشنطن إندلعت الحرب العالمية الثانية وإزدهر إنتاج النفط السعودى حيث بدأت الشركات الأمريكية إنتاجها بمعدل ثلاثين الف برميل فى اليوم الا أن دخول إيطاليا الحرب الى جانب المانيا فى يونيو سنة 1940 عرقل إنتاج النفط ما أدى الى توقفه فى مصفاة رأس تنورة.وفى عام 1942 وصلت أول بعثة حكومية أمريكية الى الرياض مع مجموعة من خبراء الزراعة الامريكيين للبحث والتنقيب عن مصادر المياه فى نجد، فى الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة قد حسمت قرار الحرب الى جانب الحلفاء، ما أضفى على إمدادات النفط السعودية أهمية بالغة لجهة تموين العمليات الحربية فى الشرق الأقصى. ونجحت الولايات المتحدة فى كسب المنافسة المحمومة مع بريطانيا على الإمتيازات النفطية فى الخليج وحصلت الشركات الأميركية على زيادة في إحتياطياتها من النفط تقدر بـ 42%إثنى فى عام 1942.فى أوائل القرن العشرين، إستخدمت معظم دول العالم المعيار الذهبى؛ مما يعنى أن عملاتها كانت مدعومة بإحتياطياتها من الذهب، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إحتفظت الولايات المتحدة بمعظم المعروض العالمى من هذا المعدن الثمين. فى مؤتمر بريتون وودز عام 1945، وافقت العديد من الدول على ربط عملاتها بالدولار الأمريكى بدلاً من الذهب غير المستقر، فى نفس العام، وُلد البترودولار عندما أبرمت المملكة العربية السعودية إتفاقية مع الولايات المتحدة لقبول الدولار الأمريكى كعملة الدفع الوحيدة للنفط مقابل التدريب العسكرى والتجارى، تم التخلى عن نظام بريتون وودز فى السبعينيات، ولكن بحلول ذلك الوقت، عزز الدولار مكانته بإعتباره العملة الأكثر هيمنة فى العالم.إعادة التدوير هى فى الأساس عملية تحويل “النفايات” الى منتجات مفيدة، من السخف أن نقول إن أى بترودولار هو إهدار، ولكن مع مرور الوقت، تراكمت الدول المصدرة للنفط حرفياً بالدولار الأمريكى بكميات لم تتمكن من إستخدامها بالسرعة الكافية، يجب إعادة تدوير هذا “الفائض” فى الإقتصاد العالمى حتى يكون مفيداً، فى هذه الحالة، تعنى الفائدة أنها يمكن أن تولد فائدة حتى لا تتضاءل بسبب التضخم، كانت إحدى أولى أشكال إعادة تدوير البترودولار هى صفقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية سمحت للدولة المنتجة للنفط بإستثمار دولاراتها النفطية فى سندات الخزانة الأمريكية.

أنشأت العديد من الدول المنتجة للنفط صناديق ثروة سيادية مسئولة عن إعادة تدوير دولاراتها النفطية، تم إستثمار هذه الأموال فى أدوات مالية مختلفة حول العالم مثل سندات الخزانة والأسهم، كان لنظام البترودولار تأثير كبير على الأسواق المالية العالمية، بادئ ذى بدء، فقد أوجد طلباً كبيراً على الدولار الأمريكى فى جميع أنحاء العالم، نتيجة لذلك، أصبح الدولار الأمريكى راسخاً جداً فى التجارة والإستثمار العالميين، وقد أدى ذلك أيضاً الى زيادة الطلب على الإستثمارات المقومة بالدولار، على سبيل المثال، من المقدر أن الأسواق القائمة على الدولار الأمريكى تتحكم فى 80٪ من أحجام التداول اليومية.

من الواضح أن الدولار الأمريكى قد هيمن على مشهد العملات البترولية، لكنه واجه تحديات فى السنوات الأخيرة.

حيث تشعر العديد من الدول المنتجة للنفط بالقلق من الإعتماد المفرط على البترودولار، هذا لأن الولايات المتحدة قد إستغلت نظام البترودولار لتأكيد هيمنتها في السياسة الخارجية، قدمت تداعيات العقوبات الأمريكية على دول، مثل إيران وفنزويلا، أدلة على سبب خطورة هذا الإعتماد المفرط بالفعل، بدأت بعض الدول المنتجة للنفط فى بيع نفطها بعملاتها المحلية، في عام 2007 ، تم تأسيس بورصة دبى التجارية (DME) بهدف أساسى هو توفير معيار بديل لفئة أسعار النفط، كانت النية واضحة، لكن التأثير على البترودولار لم يكن كبيراً حقاً.إنتهت صلاحية إتفاقية البترودولار بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، والتى تم التوقيع عليها فى العام 1974، وهذا يتيح للسعودية ببيع نفطها ومنتجات أخرى ليس فقط بالدولار الأمريكى، إنما وبعملات أخرى، حسبما تؤكد وسائل الإعلام.وفى هذا الصدد، قال الخبير فى الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية وخبير الصندوق الوطنى لأمن الطاقة، إيغور يوشكوف: “فى حين كان هذا الإتفاق منطقياً فى زمنه، فهو لم يعد كذلك الآن، أولاً: أصبحت المملكة العربية السعودية دولة قوية ولاعباً إقليمياً فى الشرق الأوسط؛ ثانياً: سلكت الولايات المتحدة الإتجاه المعاكس، إذ تحولت مرة أخرى من دولة مستوردة للنفط الى دولة مصدرة له، ولم تعد بحاجة الى النفط السعودى بقدر ما كانت تحتاج اليه خلال القرن الماضى، وإذا كانت السوق الأميركية فى السابق هى السوق الرئيسية للنفط السعودى، فهى الآن ليست كذلك، فقد أعادت المملكة العربية السعودية توجيه تدفقاتها النفطية الى الصين.

وهى الآن المورد الثانى للنفط الى هناك بعد روسيا، أى أن المملكة العربية السعودية مورد مهم للنفط لدولة منافسة للولايات المتحدة، ربما تشعر المملكة العربية السعودية بالقلق من أنه كلما قل إعتماد الولايات المتحدة على المملكة العربية السعودية، يقل إهتمامها بالحفاظ على الإستقرار فيها” وبحسب يوشكوف، “إذا إندلع صراع بين الصين والولايات المتحدة، فإن الولايات المتحدة يمكن أن تخلق مجاعة طاقة للصين، فتقطع إمدادات النفط عن طريق البحر، بما فى ذلك من المملكة العربية السعودية، ولن تعانى الصين وحدها من ذلك، بل والمملكة العربية السعودية نفسها أيضاً، فتتحول الولايات المتحدة من ضامن أمنى الى تهديد أمنى للمملكة” فى أوائل عام 2018 ، تم إنشاء بورصة شنغهاى الدولية للطاقة، إيذاناً بميلاد بترويوان، لقد حظيت البورصة بتأييد متزايد من الدول التى تفضل إلغاء دولرة أسواق النفط، وتشمل هذه الدول فنزويلا وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، هذه أمثلة على دول كانت فى النهاية الخاطئة للعقوبات الأمريكية، كما شهدت دول أخرى مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن كيف يمكن للتدخل السياسى الأمريكى أن يزعزع إستقرارها وربما لن تمانع فى “إنقاذها” من الدولار، تشتهر الصين كدولة، بتبنيها سياسة خارجية قوامها عدم التدخل السياسى، وهو أمر من شأنه أن يروق لبعض الدول المنتجة للنفط.

تم فرض حالة عقوبات أمريكية مؤخراً على روسيا فى عام 2022. كانت البلاد فى صراع عسكرى مع أوكرانيا، وبعد سلسلة من العقوبات الأمريكية، عمقت روسيا علاقاتها مع الصين، تعتبر روسيا مورداً رئيسياً للنفط داخل أوروبا وقد بدأت بالفعل فى تلقى المدفوعات بعملتها المحلية مقابل السلعة، كما تعطى العلاقات الروسية الصينية الزخم البترولى فى سعيها لمحاربة البترودولار، وقد أشارت المملكة العربية السعودية بالفعل الى أنها مستعدة لتسعير جزء صغير على الأقل من نفطها بعملات أخرى غير الدولار الأمريكى، كانت المملكة العربية السعودية حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة، لكنها بدأت مؤخراً فى شراء أسلحة من روسيا، هذا لا يبشر بالخير مع مستقبل البترودولار لأن فك الدولرة فى المملكة العربية السعودية لا يمكن الا أن يشجع الدول الأخرى المنتجة للنفط على “تحرير نفسها” من الدولار الأمريكى.لكن العجز يأتي أيضاً مع بعض التحديات. ينمو الإقتصاد العالمى بإستمرار، وهو ما يعنى بشكل أساسى أن البلاد يجب أن تعانى من عجز لمنع أى تباطؤ محتمل. ومع ذلك، فإن العجوزات المستمرة تشكل أيضاً خطر ضعف الدولار الأمريكى المحتمل.كان نظام البترودولار مسيطراً جداً فى أسواق النفط الدولية، وبالتالي أدى إلى وجود دولار أمريكى قوى ومؤثر. ومع ذلك، فإن مستقبله يتوقف أيضاً على طبيعة العلاقات التى تقيمها الولايات المتحدة مع منتجى النفط الرئيسيين مثل روسيا والمملكة العربية السعودية، فضلاً عن كبار المستهلكين مثل الصين.على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتذكر مدى ملأمريكية أن تتذكر مدى ما قدمته المملكة العربية السعودية للحفاربية السعودية للحفاظ على قيمة الدولار الأمريكية وتمنيت إثارة هذا الموضوع خلال حكم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى