
كتبت /فاطمة ابو جلاب
تشهد شوارع العديد من المدن المصرية خلال السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في أعداد الأفراد الذين اتخذوا من الأرصفة والميادين مأوى لهم.
وقد تحولت هذه الظاهرة إلى مشهد يتكرر في المناطق الحيوية والشوارع الرئيسية، مما يطرح تساؤلات حول أسبابها وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية إن تنامي هذه الحالة يستدعي قراءة متأنية للعوامل المؤدية إليها، وسبل التعامل معها في إطار من التخطيط والمسؤولية المجتمعية.
ملامح الظاهرة
أصبح من المألوف رؤية أفراد وأسر كاملة يفترشون الأرصفة ويتخذون من مداخل المباني والحدائق العامة مكاناً للإقامة. وتتوزع هذه المشاهد بين أطفال ونساء ورجال من فئات عمرية مختلفة، يتخذون من الشارع بديلاً عن السكن المستقر.
ويتركز وجودهم في محيط محطات النقل الرئيسية، والأسواق، وتحت الجسور، وفي الميادين الكبرى، حيث تزداد حركة المارة والفرص المتاحة لكسب العيش.
العوامل المؤدية إلى الظاهرة
تتعدد الأسباب التي تدفع بعض المواطنين إلى اللجوء للشارع، وتتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية يأتي في مقدمتها الضغوط المعيشية الناتجة عن ارتفاع تكاليف السكن وتراجع القدرة على تحمل الإيجارات، إضافة إلى فقدان بعض الأسر لعائلها أو مصدر دخلها الثابت.
كما يسهم التفكك الأسري، وفقدان الرعاية الأسرية للأطفال وكبار السن، في دفع بعض الأفراد إلى الشارع بحثاً عن مأوى. ولا يمكن إغفال دور بعض الظروف الصحية والنفسية التي تجعل فئات غير قادرة على الاندماج في سوق العمل أو الحصول على سكن ملائم.
التداعيات الاجتماعية
يترتب على اتساع هذه الظاهرة مجموعة من التحديات التي تمس الفرد والمجتمع فعلى المستوى الفردي، يتعرض من يعيشون في الشارع لمخاطر صحية نتيجة غياب المأوى الآمن والرعاية الطبية، كما يواجه الأطفال منهم صعوبات في الحصول على التعليم والحماية.
وعلى المستوى المجتمعي، يؤدي تزايد أعداد المقيمين في الشوارع إلى ضغوط إضافية على المرافق العامة، ويؤثر في المشهد الحضري للمدن. كما أن استمرار الظاهرة دون معالجة قد يعمق الشعور بعدم الاستقرار لدى بعض الفئات.
جهود المواجهة والرؤية المستقبلية
تتولى مؤسسات الدولة، ممثلة في وزارات التضامن الاجتماعي والصحة والسكان، تنفيذ برامج للتعامل مع الظاهرة عبر فرق التدخل السريع ودور الرعاية الاجتماعية.
وتهدف هذه البرامج إلى توفير الإيواء العاجل، وتقديم الدعم الصحي والنفسي، والعمل على إعادة دمج الحالات القابلة للتأهيل في أسرها أو في سوق العمل كما تسهم منظمات المجتمع المدني في تقديم المساعدات الإنسانية والتوعية المجتمعية.
ميدان تتحول لمنزل
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين توفير السكن الاقتصادي، ودعم برامج الحماية الاجتماعية، وتوسيع فرص التشغيل، إلى جانب تعزيز دور الأسرة في الرعاية فالشارع لا ينبغي أن يكون الخيار الأخير للمواطن، والمدينة الآمنة هي التي تضمن لكل فرد حق العيش الكريم.
إن ظاهرة لجوء بعض الأفراد إلى الشوارع تمثل تحدياً اجتماعياً يستوجب تكاتف الجهود الرسمية والأهلية والتخطيط الاستباقي، وتفعيل برامج التنمية المتوازنة، كفيلان بالحد من أسباب الظاهرة، وبناء مجتمع أكثر تماسكاً يحفظ كرامة الإنسان ويصون حقه في السكن والحياة الآمنة.






