
كتبت ـ ميادة قاسم
رجع مفهوم المهدي المنتظر ، وهو أحد المعتقدات المشتركة بين أهل السنة والجماهير والشيعة، حيث يُؤمن الطرفان بظهور شخصية موعودة في آخر الزمان تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما امتلأت جوراً وظلماً، مستندين في ذلك إلى أحاديث نبوية متفق على جوهرها، ومع ذلك، يظهر الاختلاف الرئيسي في جوانب مثل الهوية، النسب، الولادة، الغيبة، والدور السياسي والعقائدي لهذه الشخصية.
أولاً : الجذور التاريخية للانقسام
بدأ الخلاف الأساسي بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم تفاقم عقب اغتيال الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في سنة 35هجريا ، حيث انقسم المسلمون آنذاك إلى فريقين رئيسيين:
الفريق الأول وهو بقيادة معاوية بن أبي سفيان، الذي دعا إلى القصاص الفوري من قتلة عثمان، وانضم إليه عدد كبير من الصحابة والتابعين، أما الفريق الثاني، فهو بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي أكد على ضرورة إعادة توحيد الدولة وإخماد الفوضى في الأمصار قبل أي إجراء آخر.
المزيد من التفاصيل
نشأ هذا الفريق المتشدد في محبة سيدنا علي، مما أدى إلى ظهور مصطلح الشيعة ، والذي يعني لغوياً الجماعة أو الأتباع، ويرى الشيعة أن علياً كان الأحق بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الخلافة يجب أن تكون مقتصرة على أهل بيته، من نسل علي وفاطمة رضي الله عنهما، أما أساس العقيدة عند الشيعية
تعتمد مفهوم الإمامة و العقيدة الشيعية، خاصة لدى الطائفة الإثنا عشرية ، وهو الأكثر انتشاراً، على مبدأ الإمامة كمنصب إلهي، أي ينصبه الله تعالى، ويبدأ بسلسلة من الأئمة: الإمام الأول ، وهو علي بن أبي طالب، والثاني وهو الحسن بن علي، والثالث وهو الحسين بن علي، وتستمر السلسلة في نسلهم حتى الإمام الثاني عشر.
و هذا المبدأ يُعد جوهرياً في جميع الفرق الشيعية، رغم الاختلافات في عدد الأئمة أو تفاصيل أخرى، نذكر هنا منهم على سبيل القصر لا الحصر، الإمام العاشر: علي الهادي ، الذي توفي سنة 254 هـ، و عاش تحت مراقبة مشددة من الدولة العباسية في مدينة سامراء بالعراق، حيث كان يُجبر على الحضور إلى البلاط الخليفي مرتين أسبوعياً، وأيضاً الإمام الحادي عشر: الحسن العسكري “ابن علي الهادي”
لُقب “العسكري” نسبة إلى إقامته الجبرية في سامراء، التي كانت تشبه المعسكر العسكري بسبب التوترات السياسية، وتزوج الحسن من “سيدة تدعى نرجس”، وذلك وفقاً للروايات الشيعية، والتي تصفها بأنها من نسل بطرس “حواري سيدنا عيسى عليه السلام”، وابنة أحد قياصرة الروم، وقد أُسرت في إحدى المعارك، و أنجب منها محمداً سنة 255 هـ، وأخفاه خوفاً من السلطات العباسية التي كانت تستهدف الأئمة، و توفي الحسن العسكري مسموماً سنة 260 هـ.
والجدير بالذكر أن أخوه جعفر ادعى الإمامة، إلا أن المقربين أكدوا وجود محمد المخفي، حيث ظهر الصبي محمد في عمر الـ 5 سنوات تقريباً خلال جنازة أبيه، حيث صلى بالناس، ثم اختفى فجأة.
مراحل الغيبة في المعتقد الشيعي
يعتقد أن محمد بن الحسن دخل حالة غيبة “اختفاء”، في سرداب سامراء، وتنقسم إلى مرحلتين تنقسم إلى الغيبة الصغرى: وهى من 260 هـ إلى 329 هـ، حوالي 69 سنة، حيث كان محمد يتصل بشيعته عبر السفراء الأربعة وهم: عثمان بن سعيد العمري، محمد بن عثمان (ابنه)، الحسين بن روح، و علي بن محمد السمري الذي توفي 329 هـ، وكان هؤلاء ينقلون الرسائل من المهدي إلى أتباعه.
أما الغيبة الكبرى فتبدأ من 329 هـ وحتى اليوم: هنا انقطع الاتصال المباشر به، ويُؤمن الشيعة بأنه حي يعيش بعمر إلهي طويل، وأنه سيظهر في آخر الزمان ليوحد المسلمين، ويقيم العدل، و يقاتل الظالمين بما في ذلك المسيح الدجال، ثم يموت مسموماً أو مقتولاً بعد نزول عيسى ابن مريم عليه السلام بوقت قصير.
الرؤية عند أهل السنة والجماهير
في المقابل، يرى أهل السنة أن المهدي ، شخص عادي يُدعى محمد بن عبد الله ، مطابقاً لاسم النبي وأبيه، من نسل الحسن بن علي، ولكنه لم يولد بعد، و يعتقد كثير من العلماء أنه سيولد في آخر الزمان، ويظهر فجأة، يُبايع، ويحكم بالقرآن لمدة تتراوح بين 7-9 سنوات
وهنا يملأ الأرض عدلاً، وينزل عيسى عليه السلام ليقتل الدجال معه، ولا يشمل المفهوم غيبة أو طول عمر خارق، بل يعتمد على ولادة وظهور طبيعيين.



