تقارير

حين تصنع المحن قلوباً عظيمة.. حكاية بسنت مع الامل والإرادة

بقلم احمد المستشار

وسط زخم الحياة وتعقيداتها، تتشكل شخصيات استثنائية قادرة على تحويل الجراح إلى منارات، والابتلاءات إلى دروس في القوة والإيمان. ومن بين تلك الشخصيات، تبرز حكاية بسنت؛ الفتاة التي واجهت منذ طفولتها تحديات قاسية، لكن قلبها المليء بالإيمان، وعقلها المتيقظ، وبيئة مليئة بالمحبة والدعم، صاغوا منها نموذجًا للنجاح والإصرار.

أولى الدروس التي تلقتها بسنت كانت على يد أستاذها محمد نجيب، معلم اللغة الإنجليزية الذي لم يكن مجرد مدرس، بل قدوة في الأخلاق والعلم والرحمة. فقد وقف إلى جوارها في أوقات ضعفها، علمها أن الظلم والغيرة ابتلاء قد يواجهه الإنسان الصالح كما واجه سيدنا يوسف عليه السلام. لم يتركها تغرق في حزنها الطفولي، بل ربط قلبها بالقرآن، وأهداها شريطًا لسورة يوسف ظل رفيقها في كل محنة تمر بها.

أما والدتها، فكانت ولا تزال مصدر الإلهام الأول في حياتها؛ امرأة رأت في ابنتها دائمًا ملامح التميز، دعمتها في كل خطوة، وحين ترددت بسنت في المشاركة بمسابقة على مستوى محافظة الشرقية، كانت الأم السند الذي دفعها نحو المحاولة. وبالفعل، فازت بالمركز الأول، وحصدت ثقة غالية ستظل وقودًا لمسيرتها.

في سن مبكرة، اتخذت بسنت قرارها بارتداء الحجاب رغم اعتراضات العائلة، لتعلن استقلاليتها الفكرية وقدرتها على الالتزام بقرار مصيري. كان ذلك القرار المبكر أول ملامح شخصيتها الصلبة القادرة على مواجهة التحديات.

لم تكن الطريق سهلة؛ فقد واجهت صدمات كبيرة خلال دراستها الجامعية، بدءًا من الإخفاقات الأكاديمية الظالمة، إلى الصدمة القاسية برحيل عمها أمام عينيها. تلك التجربة هزت حياتها، دفعتها إلى الانعزال والصمت، وكادت تقتلعها من مسارها، لكن رحمة الله وإصرار والدتها واحتواء أساتذتها أعادوها إلى الحياة من جديد.

التحقت بكلية الدراسات الإنسانية بجامعة الأزهر، وهناك اكتشفت نفسها من جديد، تفوقت دراسيًا، والتحقت بنشاط “صُنّاع الحياة”، حيث صقلت مهاراتها الاجتماعية والقيادية، وأصبحت مسؤولة عن العلاقات العامة. وهناك بدأت رحلة بناء ذاتها، لتخرج من قوقعة الانطواء إلى فضاء أوسع من الإنجاز والعطاء.

وفي محطة أخرى من حياتها، التقت شريك دربها، رجلًا قدره الله لها في الوقت المناسب. لم يكن ارتباطًا عابرًا، بل علاقة نمت على التقدير والاحترام، ودعمتها في مسيرتها المهنية والشخصية. كان زوجها –كما تقول– أكبر داعم لها، وأول من يفرح بإنجازاتها.

ورغم أن تخصصها الأكاديمي كان في علم الاجتماع، إلا أن الأقدار ساقتها إلى مهنة التدريس. لم تحبذها في البداية، لكنها اكتشفت فيها رسالتها. دخلت مجال المكتبات المدرسية بلا خبرة، لكن بشغف كبير للتعلم، فصارت معلمة محبوبة وحققت إنجازات بارزة، بينها المشاركة في تحدي القراءة العربي، وحصد طلابها مراكز متقدمة. سر نجاحها كان بسيطًا: حبها الصادق للقراءة وقدرتها على نقل ذلك الشغف إلى طلابها.

اليوم، حين تنظر بسنت إلى رحلتها، تدرك أن كل محطة مؤلمة كانت تحمل في طياتها حكمة خفية. فقد صاغت منها التجارب الصعبة إنسانة مؤمنة، متفائلة، قوية العزيمة، ممتلئة بالعطاء. وكما تقول والدتها دائمًا: “أنتِ نعمة في حياة كل من يعرفك، وقلبك الطيب وخوفك من الله هما سر وقوف الخير إلى جوارك.”

إنها حكاية فتاة جعلت من المحن منحًا، ومن الانكسار بداية جديدة. قصة بسنت تؤكد أن الطريق إلى النجاح ليس مفروشًا بالورود، بل يُشق بالإيمان والصبر والعمل الدؤوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى