24 ساعة

تشويش العقول قراءة في أثر فوضى المواقع على المجتمع المعاصر

نيوز بالعربي

الباحث والكاتب الشيخ حسين التميمي

في زمن التحول الرقمي المتسارع، لم تعد المعلومة حكراً على النخبة، ولم يعد المتلقي رهين شاشة التلفاز أو أعمدة الصحف، بل أصبح الجميع متصلين، مشاركين، ومنتجين للمحتوى. هذا الانفتاح الهائل الذي قدمته شبكة الإنترنت، ورغم ما حمله من فرص للوعي والمعرفة، إلّا أنّه أفرز ظاهرة خطيرة باتت تنخر في بنية الوعي الجمعي، وتضعف مناعة العقول: إنها “فوضى المواقع” وتشويش الإدراك.

وفي خضم هذا الفضاء الإلكتروني المفتوح، لم تعد المعلومة تخضع لمعايير الدقة أو التوثيق، بل أصبح تداول الأخبار، وتحليل الوقائع، وصناعة الرأي العام، رهينة الحسابات الوهمية، والعناوين المثيرة، وخوارزميات الربح السريع. فوضى لا تفرق بين علمي وهزلي، بين خبر ويقين، بين رأي وشبهة. والنتيجة؟ عقولٌ منهكة، بين وابلٍ من التناقضات، وغرقٍ في كمٍّ هائل من المحتوى غير المنقح.

وإنّ تشويش العقول اليوم لا يتم فقط عبر تزييف الحقائق أو نشر الشائعات، بل في التكرار المُخدّر، والانفعال الموجّه، والانغماس في قضايا سطحية تُقدَّم على أنها جوهر الحياة. إننا أمام جيلٍ مهدد بفقدان بوصلة التفكير النقدي، لأن سرعة المحتوى تغلب عمق التحليل، ولأن الضغط المستمر على الإدراك يصيبه بالتبلّد.

ولعل من أبرز مظاهر هذا التشويش، ما نراه من الاستقطاب الحاد داخل المجتمعات، والتشكيك المتزايد في الثوابت، والاندفاع خلف كل جديد دون تمحيص، ناهيك عن السخرية من كل جاد، والانبهار بكل تافه. هنا يتحول “الترند” إلى مرجع، ويغدو “المؤثر” بديلاً عن العالم، ويصبح “اللايك” هو معيار الصحة والقيمة.

وهذا الوضع لا يمكن فصله عن غياب الرقابة الواعية، وضعف التوجيه الإعلامي والثقافي، وتراجع دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية في تحصين العقول ضد التلاعب الرقمي. فحين يغيب المنهج، ويضعف الوازع، يسهل على الفوضى أن تندس في كل بيت، وكل عقل، وكل وجدان.

وإنّ علاج هذا التشويش لا يكون بالحجب والرقابة الصلبة، بل ببناء وعي نقدي مرن، يعيد للمتلقي دوره كمُفكّر لا كمُستهلِك، ويستعيد الثقة بالمعايير العلمية والقيم الأخلاقية، ويُحيي السؤال لا التلقين. فالمعركة ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد سوء استخدامها، وضد التفريط في أدوات الفهم والتفكير.

ولذا  يمكن القول إن “فوضى المواقع” ليست مجرد ظاهرة إعلامية، بل معركة على الوعي، وتحدٍ حضاري وجودي، إما أن نواجهه بحكمة وعلم، أو نُسلّم عقولنا لمن يحسن صناعة الضجيج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى