د. أسامة إبراهيم لـ “نيوز بالعربي: فقدت شقيقتي الصغيرة بسبب الإهمال.. ولهذا اخترت طريق طب الأطفال وحديثي الولادة
د. أسامة إبراهيم لـ "نيوز بالعربي: فقدت شقيقتي الصغيرة بسبب الإهمال.. ولهذا اخترت طريق طب الأطفال وحديثي الولادة

إدارة الحوار/ عبدالرحمن فتحي عبدالنعيم نائب رئيس التحرير.
في عالم يموج بالتحديات الصحية، يظل طب الأطفال وحديثي الولادة من أكثر التخصصات حساسية وأهمية، لما له من دور محوري في حماية حياة الأجيال القادمة منذ اللحظة الأولى.
وفي هذا الحوار الخاص مع “نيوز بالعربي”، يكشف لنا الدكتور أسامة إبراهيم، أخصائي طب الأطفال وحديثي الولادة، عن كواليس اختياره لهذا التخصص النبيل، متأثرًا بتجربة شخصية مؤلمة فقد فيها شقيقته الرضيعة.
ويحدثنا عن أبرز المشكلات الصحية التي تواجه الأطفال في مصر، وأهمية الرضاعة الطبيعية، والتطعيمات، والمتابعة الدقيقة في الألف يوم الأولى من حياة الطفل، كما يوجه نصائح ذهبية لكل أم وأب في بداية مشوارهم مع الأبوة والأمومة.

1- في البداية، نود أن نتعرّف عليك بشكل أوسع.. من هو الدكتور أسامة إبراهيم؟
أنا الدكتور أسامة إبراهيم محمد خليل طبيب أطفال وحديثي ولادة، تخرجت من كلية الطب بجامعة القاهرة (قصر العيني) عام 2013، وحصلت على درجة الماجستير من الجامعة نفسها، وخلال فترة دراستي للماجستير، عملت في مستشفى أبو الريش التخصصي للأطفال، ثم تم التعاقد معي بعد ذلك ضمن الفريق الطبي بالمستشفى.
كما عملت في عدد من المستشفيات الأخرى خلال فترة النيابة، وأواصل حاليًا مسيرتي العلمية بالتسجيل في برنامج البورد المصري لتخصص الأطفال وحديثي الولادة، والذي يُعادل درجة الدكتوراه في التخصص.
2- ما الذي دفعك لاختيار تخصص طب الأطفال وحديثي الولادة على وجه التحديد؟
اختياري لهذا التخصص لم يكن وليد الصدفة، بل جاء مدفوعًا بدوافع شخصية وإنسانية، فقد أحببت طب الأطفال منذ البداية لسببين رئيسيين؛ الأول أنني أستمتع بالتعامل مع الأطفال، فالعلاقة معهم أكثر عفوية وبساطة، بعكس التعامل مع البالغين الذي غالبًا ما يكون رسميًا، ورؤية طفل مبتسم يتمتع بصحة جيدة تمنحني شعورًا بالرضا والسعادة.
وأما السبب الثاني، فهو تجربة شخصية مؤلمة مررت بها في السابق، حين فقدت شقيقتي الصغيرة “زينب” عام 2003، وهي لا تزال في عامها الأول، نتيجة إصابتها بالتهاب رئوي حاد.
وللأسف، لم تكن هناك إسعافات أولية متاحة في ذلك الوقت، وكان من الممكن إنقاذها لو توفرت الرعاية المناسبة، وهذه الحادثة تركت أثرًا بالغًا بداخلي، ومنذ ذلك الحين قررت أن أعمل في هذا التخصص حتى لا تتكرر مأساة زينب مع أي طفل آخر، أو تعيش أمٌ نفس الألم الذي عاشته والدتي.

3- ما أبرز المشكلات الصحية التي يعاني منها الأطفال في مصر حاليًا؟ وهل هناك أمراض أو أعراض باتت أكثر شيوعًا مما كانت عليه في السابق؟
تواجه الأطفال في مصر حاليًا مجموعة من المشكلات الصحية المتنوعة، بعضها قديم ومُتجذّر، والبعض الآخر مستحدث نتيجة تغيرات نمط الحياة، ولا تزال مشكلات سوء التغذية، وفقر الدم (الأنيميا)، وقصر القامة، والتقزّم، من أبرز التحديات المنتشرة، خاصة في المناطق الريفية، وهذه الظواهر المزمنة دفعت الدولة مؤخرًا إلى إطلاق عدة مبادرات رئاسية لمكافحتها، مثل برامج مكافحة التقزم ومكافحة الأنيميا لدى الأطفال.
وإلى جانب ذلك، ظهرت مشكلات صحية حديثة مرتبطة بعصر التكنولوجيا، لعلّ أبرزها الاستخدام المفرط للهواتف الذكية والتعرض المستمر لشاشات التلفاز.
وهذه العادات باتت تؤثر بشكل مباشر على تطور الطفل الذهني والسلوكي، حيث لوحظ انخفاض في معدلات التركيز، وزيادة في مظاهر العنف، إلى جانب ضعف في التحصيل الدراسي.
كما أن الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية قد يُساهم، في بعض الحالات، في تفاقم أعراض اضطرابات النمو مثل التوحد، ويؤدي إلى ضعف التواصل الاجتماعي، مما يؤثر على تكوين شخصية الطفل وخبراته الحياتية في مراحل عمرية مبكرة.
ومن الناحية الطبية التقليدية، لا تزال أمراض مثل الالتهاب الرئوي الحاد والنزلات المعوية تمثلان سببين رئيسيين في معاناة الأطفال، خاصة في الفئة العمرية ما دون الخمس سنوات.
ومن هذا المنطلق، بدأنا في عيادتنا منذ اليوم الأول بتطبيق برامج توعوية وصحية تشمل التثقيف المجتمعي، إلى جانب إدخال التطعيمات الإضافية المعتمدة عالميًا، والتي أصبحت متاحة في مصر وتُطبّق بشكل فعّال في عدد من مراكز القاهرة.
وقد عملنا على نقل هذه البرامج مباشرة إلى قريتنا “دلجا”، وعبر العيادة الخاصة بنا بمركز ملوي، إيمانًا بأهمية توفير الرعاية الصحية الحديثة للأطفال في المناطق الريفية.

4- كيف يمكن للأهل التمييز بين الأعراض الطبيعية التي قد تظهر على الطفل، وتلك التي تستدعي زيارة الطبيب بشكل عاجل؟
يتفاوت تقييم الأعراض التي تظهر على الأطفال بحسب المرحلة العمرية التي يمرون بها، إذ تختلف مؤشرات الخطورة عند حديثي الولادة عنها لدى الأطفال الأكبر سنًا أو المراهقين، ولذلك من المهم أن يكون الأهل على دراية بالفروق بين الأعراض الطبيعية وتلك التي تستوجب التوجه الفوري للطبيب.
وبالنسبة لحديثي الولادة، فإن المؤشرات الطبيعية تشمل الرضاعة الجيدة، عدم وجود صعوبة في التنفس أو زُرقة في اللسان، وزيادة طبيعية في الوزن، بالإضافة إلى انتظام التبول والتبرز، وأما في حال ظهور أي من الأعراض التالية، فينبغي التوجه مباشرة إلى الطبيب دون تأخير:
- رفض الرضاعة بشكل مفاجئ.
- ضعف عام أو خمول غير معتاد.
- اضطرابات في درجة الوعي.
- تشنجات أو حركات لا إرادية غير طبيعية.
- ظهور بقع زرقاء منتشرة على الجسم.
- زُرقة في اللسان أو الوجه.
- صعوبة أو سرعة شديدة في التنفس.
- ارتفاع شديد في درجة الحرارة أو برودة مفرطة في الجسم.
- وجود قيء متكرر أو إسهال مستمر.
- توقف التبول لفترات طويلة.
وأما بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا، فالوضع يختلف قليلًا، حيث يمكن ملاحظة أعراض مثل:
- كحة مستمرة تؤثر على النوم أو التنفس.
- صعوبة في التنفس أثناء اللعب أو النشاط اليومي.
- تراجع ملحوظ في الشهية أو القدرة على الرضاعة
- خمول شديد أو عدم الاستجابة للمؤثرات.
كل هذه الأعراض قد تكون مؤشرات لحالة مرضية تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا، ولا يجب التعامل معها بتهاون، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل، حيث تكون المناعة ضعيفة والاستجابة السريعة قد تُنقذ حياة.

5- تمثل الرضاعة الطبيعية محور جدل لدى بعض الأمهات.. إلى أي سن تنصح بالاستمرار في الرضاعة الطبيعية؟ وما البديل الآمن في حال تعذرها؟
تُعد الرضاعة الطبيعية عملية فطرية أقرّتها الطبيعة منذ القدم، وكانت تُمارَس بشكل تلقائي دون جدل أو تردد، إلا أن التغييرات المجتمعية الحديثة، واندماج الأمهات في بيئات العمل، وانتشار نمط الحياة السريع المعتمد على التكنولوجيا، قد أثرت سلبًا على استمرارية الرضاعة الطبيعية، وقلّلت من انتشارها بين الأمهات الجدد.
ورغم هذا التراجع، فإن العالم بدأ مؤخرًا يعود بقوة إلى تشجيع الرضاعة الطبيعية، وأصبحت هناك تخصصات جديدة تُعنى بدعمها، مثل استشاري الرضاعة الطبيعية، بالإضافة إلى تخصيص يوم عالمي للتوعية بأهميتها.
ومن المهم التأكيد على أن كثيرًا من المفاهيم الخاطئة حول الرضاعة الطبيعية يجب تصحيحها، مثل الاعتقاد بأن “لبن الأم خفيف” أو أنه “يُسمّم الطفل”، وهي معلومات غير علمية.
بل على العكس، فإن أهمية الرضاعة الطبيعية ظهرت بوضوح حتى في أثناء جائحة كورونا، حيث أوصت المنظمات الصحية العالمية باستمرارها، مع اتخاذ الاحتياطات الوقائية، نظرًا لأثرها المناعي والغذائي الكبير في حماية الطفل.
ولكن ما المدة المثالية للرضاعة الطبيعية؟ ينصح الأطباء بالاستمرار في الرضاعة الطبيعية حتى عمر سنتين، على أن تكون الرضاعة حصرية (أي بدون طعام أو شراب إضافي) خلال الستة أشهر الأولى، طالما كان نمو الطفل طبيعيًا، ويكتسب الوزن بمعدل مناسب وفق منحنيات النمو التي يحددها طبيب الأطفال.
وبعد عمر ستة أشهر، يُمكن البدء في إدخال الطعام تدريجيًا، على أن تستمر الرضاعة إلى جانب التغذية التكميلية، وتُقلل عدد الرضعات تدريجيًا من عمر سنة.
ولكن متى نلجأ للرضاعة الصناعية؟ في بعض الحالات الخاصة، قد تضطر الأم أو الطبيب إلى استخدام الرضاعة الصناعية، مثل:
- وجود توأم وعدم كفاية لبن الأم.
- معاناة الطفل من ضعف في النمو أو سوء تغذية.
- دخول الأم للعناية المركزة أو وجود مرض خطير يمنعها من الرضاعة.
- في حالات الوفاة – لا قدر الله.
في هذه الحالات، يتم اختيار نوع اللبن الصناعي المناسب حسب عمر الطفل وحالته الصحية، فهناك ألبان مخصصة للمرحلة الأولى والثانية، وهناك أنواع علاجية موجهة لحالات معينة مثل حساسية الألبان أو عدم تحمل اللاكتوز، أو ألبان غنية بالسعرات الحرارية لعلاج حالات النقص الحاد في الوزن.
وبعد عمر السنة، وفي حال عدم وجود موانع طبية، يمكن إعطاء الطفل اللبن البقري أو الجاموسي بالكوب، مع تفضيل اللبن البقري في البداية لأنه أسهل في الهضم.
وتجدر الإشارة إلى أن الرضاعة الطبيعية من أعظم الوسائل التي وهبها الله للأم والطفل، ليس فقط لتغذية الرضيع، وإنما لتأمين احتياجاته النفسية والمناعية والنمائية في مرحلة حرجة من عمره، ولذلك فإن دعم الرضاعة الطبيعية يُعد أمرًا أساسيًا، وأنا من أكبر المشجعين لها لما تحققه من فوائد متعددة، منها:
- أولًا، تُسهم الرضاعة الطبيعية في تعزيز الرابطة العاطفية بين الأم ورضيعها، إذ إن وضع الطفل على صدر أمه مباشرة بعد الولادة يخلق علاقة نفسية قوية تُساعد في نموه الذهني والعقلي بشكل صحي.
- ثانيًا، يحصل الطفل من خلال التلامس الجسدي المباشر على مناعة طبيعية من البكتيريا المفيدة الموجودة على جلد الأم، مما يعزز جهازه المناعي.
- ثالثًا، يحتوي لبن الأم على أجسام مضادة طبيعية قوية تساعد في حماية الطفل من العدوى، وهو ما لا يمكن أن توفره الرضاعة الصناعية.
- رابعًا، الرضاعة الطبيعية أكثر نظافة وأمانًا مقارنة بالرضاعة الصناعية، التي قد تتأثر بعوامل التلوث أو ضعف التعقيم أو ظروف التخزين غير الملائمة.
- خامسًا، يتميّز لبن الأم بتوازن مثالي في درجة حرارته، ويبدأ بالحليب قليل الدهون في بداية الرضعة ثم يتحول تدريجيًا إلى حليب غني بالدهون والبروتين، مما يوفّر تغذية فسيولوجية مثالية تساعد على زيادة وزن الطفل بشكل طبيعي وآمن.
ومن النقاط المهمة التي يجب تنبيه الأمهات لها، ضرورة تفريغ أحد الثديين تمامًا قبل الانتقال إلى الثدي الآخر، حتى يتمكّن الطفل من الحصول على كامل العناصر الغذائية من الرضعة الواحدة.
كما توجد نصائح متعددة نقدّمها للأمهات للتعامل مع صعوبات الرضاعة، مثل كيفية وضع الطفل الصحيح على الثدي، والطريقة السليمة للرضاعة، ووسائل الوقاية من تشققات الحلمة أو التهاب الثدي، وكيفية معرفة ما إذا كان الطفل قد شبع، ومتى يمكن – عند الضرورة – اللجوء إلى اللبن الصناعي.
وفي هذا السياق، من الشائع أن تعتقد بعض الأمهات أن لبنهنّ غير كافٍ، أو أنهنّ يحتجن إلى أدوية معينة لزيادة إدرار اللبن، ولكن الواقع أن الغذاء الجيد، والحالة النفسية المستقرة، وعلاج الأنيميا، هي العوامل الأكثر تأثيرًا في كمية الحليب وجودته، فلا يوجد أي دواء في العالم يمكنه أن يعوّض سوء تغذية الأم أو حالتها النفسية المتدهورة.

6- ما أبرز التحصينات والتطعيمات التي لا ينبغي أن يتأخر عنها الطفل؟ وهل هناك بالفعل مخاوف حقيقية من بعض التطعيمات كما يروّج البعض؟
تُعدّ التطعيمات من أهم الإجراءات الوقائية التي تحمي الطفل من أمراض خطيرة قد تؤثر على صحته بشكل دائم، وتنقسم إلى نوعين رئيسيين: التطعيمات الإجبارية والتطعيمات الإضافية.
والتطعيمات الإجبارية تُقدَّم مجانًا في الوحدات الصحية والمراكز الطبية المنتشرة على مستوى الجمهورية، وتحرص وزارة الصحة على تحديثها وإضافة ما يلزم منها تبعًا للمعايير العالمية وما تسمح به الإمكانيات.
وأما التطعيمات الإضافية، فرغم تسميتها بهذا الاسم، إلا أن أهميتها لا تقل إطلاقًا عن التطعيمات الأساسية، فقد سُمّيت “إضافية” فقط لأنها لا تندرج ضمن البروتوكول الإجباري لوزارة الصحة.
بينما تُعد أساسية وضرورية في دول متقدمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة والعديد من دول الاتحاد الأوروبي، حيث تُدرج ضمن البرامج الوطنية للتطعيم الإجباري، ولكن في مصر، يُعوَّل على الأهل في توفير هذه اللقاحات نظرًا لتكلفتها التي لا تتحملها الدولة.
وتشمل هذه التطعيمات الإضافية لقاحات مهمة مثل تطعيم الالتهاب الرئوي، النزلات المعوية، الالتهاب الكبدي الوبائي (أ)، الجديري المائي، وتطعيم الإنفلونزا الموسمية، وغيرها، حيث تُسهم هذه اللقاحات بشكل كبير في تقليل معدلات الإصابة بين الأطفال، فضلًا عن تقليل نسب المضاعفات والوفيات لا قدّر الله.
وأما عن المخاوف المتعلقة بالآثار الجانبية للتطعيمات، فهي في معظم الحالات لا تتعدى بعض الأعراض البسيطة، مثل ارتفاع طفيف في درجة الحرارة، أو بعض الخمول، أو إسهال مؤقت، وكلها أعراض يمكن التعامل معها بسهولة ولا تستدعي القلق.
ومن الأساطير الشائعة لدى بعض الأمهات أن كل طفل يتلقى تطعيمًا عضليًا يجب أن يحصل مباشرة على خافض حرارة مثل “سيتال”، وهذا غير صحيح، والصحيح هو مراقبة درجة حرارة الطفل خلال أول يومين بعد التطعيم، وقياسها دوريًا باستخدام ميزان حرارة.
وإذا لم تحدث سخونة فلا حاجة لأي دواء، وأما في حال حدوث ارتفاع في الحرارة، فيجب البدء أولًا بوسائل التبريد الآمنة مثل الكمادات أو الحمام الفاتر، ثم يُمكن إعطاء خافض الحرارة حسب إرشادات الطبيب.
كما يجب الانتباه إلى أن ليس كل ارتفاع في درجة الحرارة بعد التطعيم ناتج عن التطعيم نفسه، فقد يكون الطفل في بداية دور مرضي آخر مثل النزلات المعوية أو التهابات أخرى، لذلك ينبغي التقييم الموضوعي وعدم التسرع في ربط كل الأعراض بالتطعيم فقط.

7- من وجهة نظرك، ما الفروق الأساسية في التعامل الطبي بين حديثي الولادة والأطفال بعد تجاوزهم العام الأول؟ وهل تختلف أساليب المتابعة والرعاية بشكل كبير؟
يمثّل الحديث عن الأطفال حديثي الولادة والأطفال حتى عمر شهر أهمية بالغة، خاصة وأن هذا المجال يُعد تخصصًا دقيقًا في الطب، وهو التخصص الذي أكرّس له جهودي حاليًا.
فبالرغم من حصولي على درجة الماجستير في طب الأطفال من مستشفى أبو الريش وجامعة القاهرة (القصر العيني)، إلا أنني أتابع الآن دراسة البورد المصري في زمالة طب حديثي الولادة، وهو برنامج تخصصي أعمق يركّز على كل ما يتعلق برعاية الطفل خلال أول شهر من حياته.
وهذا الشهر الأول هو المرحلة الأهم على الإطلاق، ويُعد بمثابة “البداية التأسيسية” التي تُحدد مسار حياة الطفل بالكامل، فهو يختلف تمامًا عن باقي مراحل الطفولة، سواء في طبيعة الأمراض أو العلاجات أو طرق المتابعة الطبية، ولهذا أنشأت المؤسسات الطبية العالمية برامج زمالة ودراسات عليا خاصة برعاية حديثي الولادة، تقديرًا لحساسية وخطورة هذه الفترة.
وللأسف، ما زال هناك قصور في بعض الممارسات الطبية المنتشرة، وأحد أبرزها هو غياب طبيب الأطفال المتخصص في الولادة، فكثير من حالات الولادة تتم على يد طبيب نساء دون حضور طبيب أطفال، وهذا قد يؤدي إلى مشكلات خطيرة، منها عدم التعامل الصحيح مع حالات الاختناق الولادي أو نقص الأكسجين، والتي قد لا تظهر آثارها إلا بعد شهور أو سنوات.
وأحيانًا، يكون التأثير بسيطًا في صورة تأخر في الذكاء، وأحيانًا أخرى قد يؤدي إلى إصابات عصبية دائمة مثل الشلل الدماغي أو التخلف العقلي، لا قدر الله.
كما أن إهمال التعامل الطبي السليم بعد الولادة، مثل نقل الطفل دون احتياطات، أو تعرضه للعدوى داخل الحضانات غير المؤهلة، قد يؤدي إلى الوفاة بسبب تسمم الدم، وهو أمر بالغ الخطورة، ويحمّل المسؤولية كاملة للطبيب الذي لم يتخذ الإجراءات المناسبة.
وبعد الشهر الأول، تبدأ المرحلة الثانية الهامة في حياة الطفل، من عمر شهر وحتى سنة، وتُعد هذه الفترة حساسة أيضًا، حيث تظل مناعة الطفل ضعيفة نسبيًا، مما يتطلب مراقبة دقيقة واستجابة سريعة لأي عرض مرضي.
ثم تأتي المرحلة من سنة إلى خمس سنوات، والتي تُعد من أكثر الفترات عرضة لمخاطر صحية حقيقية، وتُعتبر النزلات المعوية والالتهابات الرئوية من أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو حتى الوفاة في هذه المرحلة، إذا لم تُعالج بشكل مبكر وجاد، ومن هنا تأتي أهمية التطعيمات الوقائية ودور التوعية الأسرية في تقليل هذه المخاطر.
ولكن ما أهمية المتابعة الدورية لصحة الطفل في سنواته الأولى؟ تمثل المتابعة المنتظمة لصحة الطفل أحد أهم الركائز لضمان نموه السليم وتطوره الجسدي والذهني.
ففي السنة الأولى من عمر الطفل، تُوصى المتابعة الشهرية، حيث يتم فيها قياس الوزن والطول، وتقييم التطور العقلي والذهني، إلى جانب وضع المؤشرات الحيوية على “منحنيات النمو” المعتمدة طبيًا.
وبعد بلوغ الطفل عامه الأول، تُصبح المتابعة كل ثلاثة أشهر، وتشمل فحوصات إضافية مثل صورة الدم بين الشهر التاسع والعام الأول، وذلك للكشف المبكر عن فقر الدم (الأنيميا)، خاصة في الدول والمناطق التي تنتشر فيها هذه المشكلة بشكل واسع، مثل مصر.
كما يبدأ أيضًا من الشهر السادس إدخال بعض الفيتامينات الأساسية، مثل فيتامين (أ)، ضمن جدول غذائي صحي، مع الاستمرار في متابعة التطور الحركي والمعرفي.
وأما بعد السنة الأولى، فيُستكمل برنامج التطعيمات الإضافية، وتُتابع قياسات الطول والوزن والنمو الذهني وفقًا لجداول طبية دقيقة تساعد في اكتشاف أي تأخر أو خلل في وقت مبكر.
وفي إطار تعزيز هذا النظام، حرصنا داخل عيادة ملوي على اعتماد نظام إلكتروني متكامل لتسجيل التاريخ المرضي للأطفال، مما يُمكّن الفريق الطبي من الرجوع إلى البيانات في أي وقت، حتى بعد مرور سنوات، وهو ما يصعب تحقيقه بالاعتماد فقط على ذاكرة الطبيب أو الأهل، خاصة مع كثرة الحالات وضغوط الحياة اليومية.
من هنا، نُشجّع كل أب وأم على التعامل مع المتابعة الطبية الدورية على أنها استثمار حقيقي في صحة أبنائهم، وليس مجرد زيارة لأخذ “حقنة” أو علاج وقتي، فالرعاية الوقائية هي الحصن الأول لصحة الطفل.

8- إلى أي مدى تؤثر التغذية السليمة في أول عامين من عمر الطفل على نموه الجسدي والعقلي؟
تُعدّ التغذية السليمة خلال السنوات الثلاث الأولى من عمر الطفل، والمعروفة علميًا باسم “الألف يوم الأولى”، من أهم الفترات الحاسمة في بناء الصحة الجسدية والعقلية، إذ تؤثر هذه المرحلة تأثيرًا مباشرًا على مستقبل الطفل من حيث النمو الذهني، والقدرات الحركية، وتطور الجهاز المناعي.
وخلال هذه المرحلة، من الضروري تجنب الإصابة بسوء التغذية أو الأنيميا أو نقص الوزن، كما يجب الحرص على عدم حدوث زيادة مفرطة في الوزن تؤدي إلى السمنة، لأن أي خلل في هذه الفترة قد يؤدي إلى تأخر في النمو الجسدي أو العقلي، ويؤثر سلبًا على صحة الطفل في المدى البعيد.
ومن خلال المتابعة الدقيقة لحالات الأطفال في عيادتنا بقرية دلجا منذ ثلاث سنوات، وفي عيادة ملوي منذ ما يقارب ثمانية أشهر، بدأنا نلاحظ أثر هذه المتابعات على المدى القصير من خلال انخفاض عدد زيارات الأطفال للعيادة بسبب تحسن حالتهم الصحية العامة، فنحن نؤمن أن هذا النهج الوقائي سيؤتي ثماره على المدى البعيد أيضًا، بصحة أفضل للأطفال، ونمو متوازن ينعكس لاحقًا على جودة حياتهم.
ودائمًا ما نؤكد على أن كثرة زيارة الطفل للطبيب ليست أمرًا طبيعيًا، ففي السنة الأولى، من المقبول أن يخضع الطفل للكشف الطبي بمعدل زيارة واحدة شهريًا، أي 12 مرة خلال العام، وأما إذا زادت الزيارات عن هذا المعدل، فيجب مراجعة الأسباب؛ سواء من جهة الطبيب أو من جهة الأهل، لتقييم جودة الرعاية الصحية المقدّمة للطفل.
كما أن توفير تغذية سليمة خلال الألف يوم الأولى لا يقتصر فقط على إشباع احتياجات الطفل، بل هو استثمار حقيقي في صحته ومستقبله، فطفل اليوم هو رجل الغد، وكل خطوة صحيحة نرعاها في بداية حياته، هي لبنة في بناء إنسان سليم قادر على خدمة مجتمعه وأداء واجباته بكفاءة واقتدار.

9- ما رأيك في اعتماد بعض الأمهات على المعلومات المنتشرة عبر الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من استشارة الطبيب المختص؟
في ظل التطور التكنولوجي المتسارع، أصبح اللجوء إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى أدوات الذكاء الاصطناعي، سلوكًا شائعًا لدى الكثير من الأهل بحثًا عن إجابات تتعلق بصحة أطفالهم، ورغم أن هذه الوسائل قد توفر معلومات عامة مفيدة في بعض الأحيان، إلا أن استخدامها بديلاً عن زيارة الطبيب يشكّل خطورة حقيقية.
فقد صادفت حالة في إحدى العيادات، جاءني أحد أولياء الأمور وهو يخبرني بأنه سأل “شات جي بي تي” عن أعراض يعاني منها طفله، ولكن المشكلة كانت في أن المعلومات التي قدمها للذكاء الاصطناعي لم تكن دقيقة أو موصوفة بشكل طبي سليم، مما أدى إلى الحصول على استنتاجات خاطئة، لأن الأداة بطبيعتها لا تستطيع تعويض الخبرة الإكلينيكية للطبيب، ولا يمكنها إجراء فحص سريري أو ملاحظة التفاصيل الدقيقة للحالة.
لذا، من الضروري إدراك أن دقة المعلومة تعتمد في المقام الأول على من يقدّمها، فالأشخاص غير المختصين قد يقدّمون وصفًا غير دقيق يؤدي إلى توصيات مضللة، كما أن الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يختم إجاباته بالتأكيد على أهمية التوجه للطبيب المختص، وهذا ما تم برمجته عليه احترازيًا.
وأما بالنسبة إلى محركات البحث مثل “جوجل”، فقد تكون المعلومات الموجودة عليها مضللة أو غير مناسبة لحالة الطفل المحددة، فلكل طفل ظروفه الصحية المختلفة، فقد يعاني أحدهم من حساسية الألبان، وآخر من القولون العصبي، مما يترتب عليه اختلاف تام في نوعية الطعام، أو الأدوية، أو حتى نوع الحليب الصناعي المستخدم.
ويجب أن نعلم أن هناك كثيرًا من الأساطير والمفاهيم الخاطئة المنتشرة على الإنترنت، ولذلك لا بد من التحقق من مصدر المعلومة ومن أهلية من يقدّمها، وأنا شخصيًا، رغم أنني أتلقى أسئلة كثيرة عبر “فيسبوك” أو “واتساب”، من داخل مصر أو من دول عربية كالسعودية والكويت، فإنني لا أقدّم تشخيصًا دون فحص مباشر، بل أنصح دائمًا بالتوجه إلى أقرب طبيب مختص.
وفي النهاية، يمكن اعتبار التكنولوجيا وسيلة مساعدة للتثقيف والوعي، لكنها لا يمكن أبدًا أن تحل محل الطبيب، فالتشخيص السليم والعلاج المناسب لا يكون إلا من خلال فحص طبي مباشر يراعي كل تفاصيل الحالة الفردية.

10- هل يمكن أن يؤثر الضغط النفسي الذي تتعرض له الأم على صحة الطفل؟ وكيف يمكن للأم تحقيق التوازن بين العناية بنفسها وبطفلها في آن واحد؟
تبدأ صحة الطفل النفسية والجسدية منذ أن تكون أمه طفلة، فتنشئة الفتاة على وعي صحي ونفسي متزن ينعكس لاحقًا على قدرتها في المستقبل على رعاية أطفالها، ومن هنا تأتي أهمية أن تُعِد الأم ابنتها للحياة الزوجية.
وذلك ليس من باب تعليمها الطهي أو الأعمال المنزلية فقط، بل من خلال توعيتها بكيفية التعامل مع الأطفال وفهم احتياجاتهم النفسية والجسدية، حتى تكون مؤهلة لرعاية مولودها الجديد بشكل صحيح.
ويبدأ هذا الإعداد منذ الطفولة، ويستمر حتى مرحلة ما قبل الزواج، مرورًا بالحمل، الذي يُعتبر من أهم المراحل التي يجب على الأم فيها أن تعتني بصحتها بشكل متكامل.
فمعرفة الأم بأنها حامل يجب أن يدفعها إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية صحتها وصحة جنينها، من خلال الوقاية من الأنيميا ونقص الكالسيوم وسوء التغذية، والحرص على النوم الجيد والتغذية المتوازنة.
كما ينبغي أن تستعد الأم لمرحلة الرضاعة في شهور الحمل الأخيرة، سواء بالاستعانة بتجارب أمهات سابقات، أو بزيارة طبيب الأطفال قبل الولادة للاستفسار عن التحديات المتوقعة، وطريقة التعامل معها، كما يجب أن تتلقى الأم هذه المعلومات من مصادر موثوقة، لا من خلال أقوال متوارثة أو معلومات مغلوطة على الإنترنت قد تضللها وتؤثر سلبًا على تجربتها.
ومن الجوانب المهمة كذلك أن تكون الأم في حالة نفسية جيدة، لأن الضغط النفسي وسوء التغذية وفقر الدم كلها عوامل تؤثر مباشرة على الرضاعة الطبيعية، وقد تدفع الأم اضطرارًا إلى استخدام الرضاعة الصناعية.
وفي النهاية، صحة الطفل تبدأ من صحة أمه، ليس فقط أثناء الحمل، بل قبل ذلك بسنوات، من خلال دعم شامل للصحة الجسدية والنفسية للفتاة حتى تصبح أمًا قادرة على رعاية طفلها وتوفير بيئة صحية متوازنة لنموه.

11- وأخيرًا، إن كانت لديك رسالة ترغب في توجيهها إلى الأمهات والآباء الجدد.. ماذا تقول لهم؟
في البداية، أهنئ كل أب وأم بمولودهما الجديد، سواء كان ذكرًا أو أنثى، فوجود طفل في حياتكما نعمة عظيمة من الله تستحق الشكر والرعاية، وهذه النعمة ليست فقط مصدر سعادة، بل هي مسؤولية كبيرة سنُسأل عنها، ويجب التعامل معها بأمانة تامة، دون استغلال الطفل أو استخدامه كوسيلة ضغط أو ابتزاز لأي طرف آخر.
ومن المهم أن يدرك الأهل أن الطفل يتأثر بالبيئة المحيطة به منذ أيامه الأولى، فهو يشعر بالحب، ويدرك الخلاف، ويستوعب الأجواء العائلية، حتى وإن بدا صغيرًا، فالطفل ليس غبيًا كما يظن البعض، بل يتمتع بقدرات ملاحظة وفهم تفوق أحيانًا توقعات الكبار.
ومن التحديات الحديثة التي نواجهها، تعرض الأطفال المفرط للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما قد يضر بصحتهم ونموهم، فليس كل ما يطلبه الطفل يجب أن يُلبى، خاصة إذا كان ضارًا.
لذا، يجب أن نعلم أطفالنا كيف يتحكمون في رغباتهم، ونرسّخ لديهم مفهوم الصواب والخطأ، حتى إن بكى الطفل رفضًا لذلك، فالبكاء الطبيعي لا يعني بالضرورة وجود ألم، بل قد يكون نتيجة رفضه لحدود نضعها لحمايته.
كما يجب ترسيخ مفاهيم مثل “الادخار” لدى الأطفال، وتعليمهم أن الحصول على كل ما يريدونه في كل وقت أمر غير واقعي، فأحيانًا يكون من واجب الأب أو الأم الامتناع عن تلبية رغبة الطفل، إذا كانت مؤذية له، حتى لو لم يفهم الطفل ذلك في الوقت الحالي.
ومن النقاط الجوهرية، ضرورة احترام دور الأب والأم داخل المنزل، وعدم السماح لأي طرف – كالأجداد – بالتدخل المباشر بين الطفل ووالديه، لأن تدخل الأجداد بشكل متكرر قد يضعف سلطة الوالدين أمام أبنائهم، ويؤدي إلى خلل في التربية وفقدان المرجعية.
وإذا كان هناك ضرورة للنصيحة أو التوجيه، فيُفضل أن يكون ذلك بعيدًا عن مسمع الطفل، مع الحفاظ على صورة الأبوين كمرجعية أولى وأخيرة.
وأخيرًا، فإن خلق بيئة هادئة ومنضبطة داخل الأسرة ليس مسؤولية الوالدين فقط، بل هي مسؤولية الجميع، بمن فيهم الأطباء الذين يوجهون النصائح، والأجداد الذين يشاركون في التربية، وعلى كل فرد أن يدرك أن دوره في دعم استقرار الأسرة هو مساهمة في بناء مجتمع سليم، يحترم القيم، ويُخرّج أجيالًا متزنةوواعية.






