
بقلم مصطفى نصار
سليل المجاهدين…ماهر الجازي ينحو نحو أجداده.
أطلق البطل الأردني ماهر الجازي النار على ثلاثة من المستوطنين عند الجهة الأخرى من معبر الكرامة ، و المعروف كذلك باسم الجنرال اللنبي أو الملك حسين ، بسلاح شخصي نوعه jac_a130 بدقة منتهية ، و قد استشهد بعدها برصاصة من أحد الجنود الإسرائيلين ، و أصابت العملية سواء الجهات الرسمية في الأردن أو إسرائيل ارتباكًا كبيرًا جعل إسرائيل تغلق المعبر ليوم كامل و التشديد على خروج و دخول الشحنات و إمدادات الطعام عبره ، و فتشت السائقين و أهانتهم مخافة أن يكون أحدهم زميلًا له أو يحمل سلاحًا . و شددت الخناق على الشحنات و دققت الإجراءات التفتيشية عقب العملية رعبًا من تكرار تلك العملية النوعية .
و عزى رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتياهو أسرى القتلة و وصف اليوم بالصعب ، و إن دل ذلك على شيء فإنه يدل حتمًا على حالة الصدمة الواقعية على نتنياهو كمثل الصاعقة بعد عام تقريبًا على عملية البطل المصري محمد صلاح في ٣ يونيو ٢٠٢٣ .
و يعتبر ماهر الجازي من عائلة ممتدة من المجاهدين الذين دعموا القضية الفلسطينية فجده هارون الجازي قائد قوات المتطوعين في القوات الأردنية و الفلسطينية آنذاك الذي جابه عصابات الهاجناه و الإيجون بشراسة ، و عرف بعمق مكر العصابات و ألاعيب الأمم المتحدة بإكمال ضرب النار في معركة باب الواد و عدم الانصياع لقرار وقف إطلاق النار ، حتى أحرز تقدمًا كبيرًا بأن انتصر عليهم في عدة معارك و انتهى الأمر باستشهاده .
و جده الآخر هو مشهور الجازي القائد العسكري البارز في معركة الكرامة ١٩٦٨ ، و هي أول معركة حقيقة بين الجيش الأردني بالتعاون مع فصائل المقاومة حينها من فتح و حركة التحرير الفلسطينية ضد الجيش الإسرائيلي الذي أُجهز عليه سريعًا في ٣ ساعات فقط بعد أن هزم الجيوش العربية في النكسة
، و قد تأثر مشهور الجازي كثيرًا بالهزيمة فأراد أن يهزم العدو الإسرائيلي ، و بالفعل سجلت المعركة كأول معركة تاريخية لهزيمة الكيان الإسرائيلي.
و بنفس الخطوات ، سارت الفصائل من بعده بوتيرة ثابتة حتى هزمت الكيان الإسرائيلي في أكثر من معركة حتى وقعت الخلائف بينهم ، و انتهت بأحداث أيلول الأسود في عام ١٩٧٠ . و على إثرها ، قاتل الجيش الأردني فصائل المقاومة الفلسطينية حتى أعلنت انتقالها مجددًا للكويت ، في تحول خطير للقتال بين الشعبين الأردني و الفلسطيني بسبب بعض الأحاديث التي لا دليل عليها و التي قتلت أكثر من ٢٠٠٠شخص من كلا الطرفين .
و بهذا ، يمتد ماهر الجازي لعائلة من المجاهدين التي جاهدت و بذلت الغالي و النفيس فداءً لقضية فلسطين، و إفشال لمحاولات عديدة من بث الواقعية و الخلافات بين الشعبين الأردني و الفلسطيني دون جدوى تذكر ، ليس فقط لقربظ الشعبين ، بل لإن٥٥% من سكان الأردن أصلهم فلسطيني إما للأب أو للأم ، مما يدل كذلك في شخصية ماهر الجازي على شجاعته و إقدامه و غيرته التي حولها لفعل و استغل خبرته كقائد سابق للشرطة العسكرية في الجيش الأردني في تنفيذ عمليته الباسلة و البطولية ، تاركًا خلفه أولاده الخمسة يتامى لعائلته الممتدة . و لكن على أقل تقدير ، قام بهزة داخلية في الكيان لعلم قادته أن أي عملية فردية من دولة الطوق دليل على أمرين أحدهما يقظة شعوب الدولتين، و ثانيهما فشل علاقات التطبيع الممتدة عبر ٤٥ عامًا في حالة مصر و ٢٨ في حالة الأردن .
من سليمان خاطر للجازي …أبطال العمل الفدائي تمرغ نتائج التطبيع في التراب .
سمع الجندي الراحل سليمان خاطر لوقع خطوات تمشية من السياح الإسرائيلين تقترب من الحدود فحذرهم في بادئ الأمر بالكلام و لكن تمادوا في الأمر ، ثم أطلق طلقات تحذيرية لهم من التقدم . فبعد تماديهم في استفزازه و تخطيهم الحدود ، فأطلق عليهم النيران و أصاب ٥ و مات ٢ ، و سلم نفسه بعدها ظنًا منه أن سينول مكافأة ، لكنه سرعان ما وجد ميتًا في سجنه الحربي عام ١٩٩٠.
و كذلك كان الجندي المصري أيمن حسن يراقب الحدود في نقطة خدمته راقب جندي إسرائيلي يحمل معه علم مصر في ١١ نوفمبر عام ١٩٩٠ ، ويدوس بحذائه . و الجدير بالذكر رؤية الجندي الإسرائيلي لغضب أيمن فزاد في استفزازه له بإحضار حبيبته و مارس معها الجنس على العلم المصري . فنتجية طبيعية لذلك ، تخطى أيمن الحدود و أعمل سلاحه فيهم حتى أسقط منهم ٢٥ شخصًا وسلم نفسه بعدها ليحكم عليه بالمؤبد حتى أصدر الرئيس مبارك قرارًا بتخفيف مدة حكمه لتكون عشر سنوات فقط.
و تمر السنين ، و يظن الاحتلال الإسرائيلي أنه طبع مع الشعوب العربية، ليفاجئ بعملية أخر في مارس ١٩٩٧ عندما قتل الجندي الأردني أحمد القواسمة جندين إسرائيلين رفضا الالتزام بالمراقبة و أخذا يستفزانه حتى بلغ أخر الأمر معه و قتلهما ردًا على رغبتهم عمله هدفًا لمزاحهما بالرصاص . و من إلهام و عمق تلك القصة ، كتب الدكتور أيمن العتوم عنها رواية كبيرة ضخمة لتخليد ذكراه.
و بعدها بحوالي ٣٦ عامًا ، قام البطل المصري محمد صلاح بعملية أخرى متشعبة تتميز بالذكاء و الدقة ، ثارًا لصديقه الذي قتل برصاص الاحتلال الإسرائيلي عند معبر العوجه . فأخذ سلاحه و أطلق النار على ٣ من الجنود الإسرائيلين بعد تبادل إطلاق النار بين الطرفين. و في النهاية ، سقط شهيدًا بعد أن أطلق عليه رصاصات عديدة .
و تأتي كل تلك العمليات بالإضافة لعمليات الاغتيال من السياح المسلمين في القدس المحتلة مثل حادثة طعن حسن سقلان التركي لمواطن إسرائيلي في ٣٠ أبريل ٢٠٢٤ ، و كذلك حادثة طعن من مواطن كندي لإسرائيلي في ٣٠ يوليو ٢٠٢٤ لتؤكد أن لا حياة و لا أمن و لا سلام يجري من احتلال سرطاني معلوم مشروعه أنه من النيل للفرات .
فمثلما وصف إسماعيل فهمي وزير الخارجية الأسبق في كتابه التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط، و محمد إبراهيم كامل في كتابه السلام الضائع في الشرق الأوسط ، أن ذلك السلام المنشود وهم ببساطة شديدة لما يعانيه من انفصال و انسلاخ عن الأصل الذي من المفترض استشارته ، فانفصلت العملية عن الشعوب العربية و تحول في نهاية المطاف لسلام مقلوب يعجز الطرف الأقوى و يقلب الأضعف لأسود لا تقهر . فتحولت الدول بذلك لدول حليفة عاجزة و يتحول أفرادها لبراكين ثائرة تنتظر الانفجار بعمليةو فردية منفصلة .






