
بقلم/مصطفى نصار .
حفظ السلام في الصومال :دلالات إرسال قوات مصرية و طائرات عسكرية .
سقطت أول طائرة عسكرية مصرية في مطار مقديشو الدولي صباح الثلاثاء من طراز m125 ، تصحب معدات عسكرية و كتلة بشرية قوامها ١٠ آلاف جندي مصري تنضم لقوات حفظ السلام الدولية في مقديشو وفقًا لعدة معاهدات دولية و إقليمية تختص بالدفاع المشترك .
و أتت هذا الخطوة تنفيذًا لمعاهدة فريدة أبرمتها الصومال مع مصر في سياق الدفاع المشترك بعد عقد مؤتمر دولي جمع الرئيس السيسي بنظيره الصومالي حسن شيخ محمود للدفاع عن مصالح مصر في القرن الإفريقي كما أعلن .
و قد عزلت مصر نفسها نهائيًا من القرن الإفريقي في العقد الأخير فيما عدا بضع الملفات المتعلقة بالاقتصاد و الديون ، و السياسة الخارجية و بعض الاستثمارات المتوسطة ، مما أدى لتقلص دورها و تقليل مكانتها الإقليمية في القرن الإفريقي كما هو عصر السادات الذى توجه للغرب أكثر ، فضلًا عن انتهاج الدولة للسياسة الهادئة خاصة بعد اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨ م ، و رفضه للتدخل المباشر في القرن الإفريقي مباشرة إلا أنه أخذ موقفًا حاسمًا تجاه مصالح مصر و أمنها القومي .
و انتقل الأدوار التي أخذتها مصر لصالح دول أخرى بعد تأخر دام على أقل تقدير عشر سنوات مثل الإمارات و أثيوبيا التي وطدت علاقتها بدولها المجاورة و جعلت لها منفذًا على مضيق باب المندب بعدما كانت دولة حبيسة ، و للعلم ظلت هكذا منذ استقلال أرتيريا عنها في عام ١٩٩٣ ، أي تحولت من وضع الإطلالة البحرية للدولة الحبيسة و عادت إليه مرة أخرى.
و يعد الاتفاق بين مصر و الصومال ملزمًا لإنه وقع بين دولتين لهما سيادة حقيقة على أرض الواقع، و حاجة الصومال الملحة لتدخل مصر ضمن قوات حفظ السلام الدولية لا كما يشاع بخصوص بدء طبول الحرب و إنجاز تاريخي لمصر ، و كل تلك الشعارات التي أكلها الدهر .
ولا تتخطى تلك الخطوة كونها خطوة موفقة بعد انعزال و إهمال تجاه القرن الإفريقي منذ توقيع السودان و مصر لاتفاقية المبادئ التى أعطت النيل بشكل كلي لأثيوبيا على طبق من ذهب ، في محاولة موفقة حتى الآن في إعطاء أثيوبيا رسالة تحذيرية واقعية بعد طلبي مجلس الأمن الأول العام الماضي بعد انتهاء المل الرابع بشهر و نصف و الثاني بعد تشغيل توبينين و قرب انتهاء المل الخامس ، و خط الأقدام في دولة الصومال التي رجعت لأضعف حالات الاستقرار فيها بعد تاريخ طويلة من التفكك و التشرذم بسبب حكم العسكر فيها .
دولة الصومال الكبرى :من استقرار الاستقلال لجحيم العسكر و الحرب الأهلية .
استقلت الصومال عن الاحتلال الفرنسي عام ١٩٦٠ ، و جيبوتي عام ١٩٦١ عقب تاريخ طويل من النضال و التضحية نتيجة الرغبة في حق تقرير المصير و حكم مدني منتخب يقدم للدولة خير و تقدم و صلاح و
تنمية مستدامة في كافة المجالات .
و عند التأمل في علم الصومال الأزرق ، من الجدير بالملاحظة نجمتها الخماسية التي تشير للأقاليم الخمسة و التي تسمى الصومال الإنجليزي و الفرنسي و الإيطالي و أنفدين و أوجادين .
و مكثت الصومال شهرين تحت الحكومة الانتقالية المستقلة من يونيو لأغسطس عام ١٩٦٠، و انقلب بعدها الجنرال المشير سيد حسين بري الذي تأثر بشيوعية لينين و اشتراكية جمال عبد الناصر ، لينفرد بالبلاد طيلة ٣٠ عام تحولت فيها لدويلات متناحرة ممازعة الأطراف .
و انفصلت جيبوتي عن الصومال بالفعل بعدها بعام ، و كذلك إقليم أرض الصومال في ظل سقوط حكم بري في أواخر عهده و ظهرت أقاليم عدة أخرى مثل بونت لاند التي تملك ٣٣%من ثروات الصومال كافة من البترول و الغاز الطبيعي، و الإقليم الإيطالي كون الجمهورية الفيدرالية المسماة قانونًا بجمهورية الصومال ، و يرأسها شيخ حسين محمود ممثل حزب السلام و التنمية ، و أخذت كينيا إقليم أنفدين و ضمته لأراضها في عام ١٩٦٣ ، و احتلت أثيوبيا إقليم أوجادين عام ١٩٨٥ بعدما حاول سيد بري استيداده من أثيوبيا و دخل حرب ضدها أطاحت به ، لجأت به للهروب من الصومال لنيريجيا ليتوفى بها بعدما سقطت بلاده في حرب أهلية مركبة سببها الطبقية المتوحشة و التوسع في الديون و فشل ذريع في كافة الملفات، خرجت منها البلاد بعد ٣٠ عام من التناحر و القتال بين أجهزة أمن و جيش فاسد العقيدة و جوعى يفتقدون أبسط معالم الحياة .
و بعد انتهاء الحرب الأهلية في الصومال ، عادت السياسية لها فعادت الحياة لها بعد ٣ عقود خسر فيها الشعب حياته و قيمه ، في وسط دولة محاطة بدويلات ضعيفة لا يفهم لها ملامح و لا يعرف لها حاضر و تكثر بها التدخلات الأجنبية للحفاظ على أهيمتها الجغرافية مخافة تأثر مصالحهم الحيوية هناك ، أو بحد تعبير جورجيو أغامبين حينما ربط بفناء الحرب الأهلية لصالح القوى الدولية المسؤولة قانونًا عن حماية الآخرين .
عراب التخريب يهدد أمن مصر القومي :مصالح الإمارات تصب في اتجاه أثيوبيا.
من المعلوم خلال العام الماضي أن دولة الإمارات لها نصيب الأسد في تخريب و دمار السودان بدعم الدعم السريع و حميدتي للقيام بكل المجازر و الفظائع ، و لهذا هاجمها نائب الجيش السوداني ياسر العطا ، و رفض البرهان مشاركتها في مفاوضات جنيف الفاشلة بالأصل لعدة أسباب ليس لها محل ذكر حاليًا .
و بالمثل ، وجود الإمارات في الصومال له عدة خبايا شريرة و خبيثة مثل الاستفادة من الإطلال على مضيق باب المندب ، و عقد صفقة امتياز لميناء بربرة لمدة ٣٠ عام ، و كذلك إمداد أثيوبيا بالأسلحة و المعدات على إقليم أوجادين وفقًا ما ذكرته مصادر صومالية و أجنبية أخرى كثيرة مثل الوانشطن بوست ، من دون تنبيه مصر باعتبارها شريكًا إقليمًا في الاقتصاد المصري.
و يضاف لذلك سجل حافل من الاستثمارات لصالح أثيوبيا في الزراعة و الطاقة و الكهرباء، و على رأسها سد النهضة التي تترواح فيه المبلغ من ٣٠٠ ألف لنصف مليار دولار في تحد صريح و تحقيق جلي لتصريح الدكتور عصام عبد الشافي أستاذ العلوم السياسية بأنها “عراب للتخريب” .
و يضاف لما سبق إمداد أثيوبيا بالمعدات العسكرية اللأزمة و الطائرات المسيرة من نوع Xinwingالصينية ، لمواجهة إقليم التيجراي الذي يهدد أثيوبيا مباشرة بالانفصال و عملياته النوعية التى أرهقت أثيوبيا طيلة العام الماضي .
و اعترفت بإقليم أرض الصومال كأرض مستقلة لجانب أثيوبيا و احتكرت تشغيل موانى هدريسا و بونت لاند لمدة ٣٠ عام مثلما حدث مع ميناء بربرة ، و تلك خطوات استراتيجية لمساعدة أثيوبيا بكل قوة و حزم .
لجانب كل ما سبق ، مارست الإمارات التشويه و التشهير للصومال و دعم انفصال أرض الصومال عنها ، مما أرحج بالصومال مراجعة علاقاتها مع أبو ظبي لسحب السفير ، كرد منطقي و بديهي على الأفعال الإماراتية التى تهدد أمن مصر و الصومال القوميين بشكل يجعل أثيوبيا أمنع و أقوى من أن يتم التفاوض معها على الأقل بسبب التلويح بكارتي المياه و الحرب .
و تختطى أدوار الإمارات بتلك اللهجة دور الحفاظ على أمن حلفائها الهاميين لدور مهدد للشرعية الدولية بشكل مهدد لدولتين مهمتين على الخريطة الإفريقية مما جعل الصومال تتحلف مع تركيا لإبرام اتفاقية دفاع مشترك في فبراير الماضي و كذلك مع مصر في أغسطس الماضي .
سد الخراب يفوق الشدة المستنصرية عشر مرات: عواقب إكمال بناء سد النهضة على مصر .
في كتاب نهر النيل ، يسرد الباحث في الشئون الأفريقية زكي البحيري باستفاضة جيدة تبين ملكات البحث محاولات أثيوبيا و الكيان المحتل سرقة النيل عبر عشرات السنين من المحاولات ليجدوا الحل في السد الأثيوبي لتعطيش مصر و تجويعها .
و تلك المحاولات كللت بالنجاح في ظل صمت إعلامي معتمد أشار له تقرير مدى مصر عن أوامر سيادية بعدم حديث الإعلام عن الآثار السليية التي وصلت لها المفاوضات لحين صدور البيان الرسمي ، و التي لخصها مصدر إعلامي بقوله “احنا خسرنا المعركة”.
و قد حذر الخبير و المفكر المصري و أستاذ علم الذكاء الاصطناعي في MIT نايل الشافعي من وصول مصر لنقطة صفرية تتلاعب فيها أثيوبيا بزمام الأمور في مستقبل مصر الوجودي .
و يمكن أن نربط بين أزمة المياه الحاصلة في العديد من المحافظات مثل مطروح و منطقة طوابق فيصل ، مما يترك سؤال ملح يلحو في الأفق مفاده القدرة على تفادي سينايور الجفاف أو غرق السودان و مجي جثث السودانيين في حالة حدوث إنزلاقات أرضية رأتها الباحثة المرموقة هايدي فاروق في حوارها مع هالة أبو علم على منصة ذات مصر .
و تتفق فاروق مع الشافعي في قوة الهزة التدميرية التي ستصيب المنطقة عند اكتمال بناء السد و اشتداد قوة الجفاف و العطش على المصريين مما سيفتح الباب على مصرعيه للهجرة غير الشرعية التي ستؤدي بدورها لسقوط دول الخليج كافة بلا استثناء لعدم التوزان الديموغرافي من بلد ضخمة الكثافة السكانية ، تمر بظروف جفاف ممنهج . فليس سقوط دول الخليج إلا مسألة وقت ينتهي باكتمال سد النهضة بتوبيناته ال١١ بالأملاء ال١٢ ، و لن تفيد الحلول التقليدية من منع أو ترحيل اللاجئين لوقوعهم في تلك الحالة تحت خطر وجودي مثل الحروب ، و يحظر في القانون الدولي إعادة هذا النوع من اللاجئين لما فيه من المعاناة الإنسانية الشديدة.
و من المأمول أيضًا مجيء الرسالة التحذيرية لأثيوبيا بنتيجة إيجابية تفيد على الأقل إثبات قوة على أرض الواقع ترجع أو تبطىء عمليات الملء المستمرة حتى نهاية العام المقبل على أقل تقدير و أكثر التوقعات تفائلًا .






