
بقلم/ مصطفى نصار
بين باديا و باريس :انكشاف اللحظة الواضحة للعميان .
في رواية جورج هربرت ويلز الشهيرة في بلاد العميان ، يشير المؤلف للمكان بعبقرية شديدة بحق عن طريق جعل الراوي المبصر الوحيد في الرواية و البقية عميان ، في إشارة على أن المبصر يدل على الندرة و القلة و تميز الحس و توقد البصيرة ، فلم تكفيه إلا البصر للدلالة على عمى البلد بحالها عدا لحظات الانفجارات المدوية ، فتلك التي تفرق و تحدث الفرق العميق لكل من الأعمى و المبصر لتبلورها و تركيزها على مشترك بينهما يمتلكانه كلاهما .
بنفس المنطق ، قامت فرنسا على مدار الشهر الماضي في الأولمبياد بجدليات عقيمة و مبتذلة بدءً باحتقار تاريخهم و ماضيهم الشخصي على أنغام سيلين ديون و رأس ماري أنطوانيت المقطوعة ، و السخرية من الرمزيات المسيحية المتمثلة في تجسيد الشواذ جنسيًا للحواريين و السيد المسيح عليه أفضل الصلاة والسلام، إلي تمثال الشر المتمثل في الأساطير الرومانية المكثفة في التراث المسيحي القديم ، غير أنها هربت بمكر منها عن طريق إدعاء أن هذا التمثال تمثال حرية فرنسا الموجود في ميدان الباستيل ، مما أدى لخلق صلاة نجسة بلا وضوء ، ولا طهارة ، صلاة لا دينية بحد تعبير أحمد القرني مراسل افتتاح الأولمبيادات .
و تشابهًا بفرنسا ، فإن تلايند كانت تريد استغلال طبيعتها الخلابة و الساحرة الممتدة بمساحات ضخمة للغاية من الغابات لتجد نفسها محاطة بالبيوت الرثة المخصصة بالدعارة ، بل و تمثل أيضًا أحد أهم مصادر الدخل القومي بها بحوالي ١٣% وفقًا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية ، و يثار سؤال ملح نفسه هنا و هو كيف سمحت بتفشيها و في نفس الوقت تحاول جاهدة منعها ؟!
و هنا يجيب الدكتور عبد الوهاب المسيري بالتفريق بين العلمانية الجزئية و الكلية ، و باختصار فإن الجزئية هي التي تسمح للفرد بالتخفف عن بعض شعائر أو معاملات دينه في الحياة اليومية، و الكلية هي تحويل كامل للحياة و تفريغها الكلي من القيم و المبادئ الأخلاقية و الاجتماعية و الجمالية ، لينتهى بعالم منزوع قداسة الأشياء منه ، أو بمعنى أدق تذويبها لتحل في لحظات أخرى كثيرة يسميها المسيري باللحظات النماذجية ، التى تتبلور فيها القيم الحقيقة للدولة ، أو اللحظة التلايندية . فلا مميز حقيقي بين تايلاند و فرنسا إلا حدة اللحظة و قوتها التي تظهر أو تخفي مدى خروج الدولة لأصولها ، ففرنسا تحديدًا لا تصلح إلا أن تكون مجتمعًا فاقد الأهلية و العقل ذا سياسة مضحكة قمعية تتساوى فيها الحرية مع العبودية و التقييد مع التحرر ، و الالتزام بالفطرة مع الشذوذ و الانحرافات .
و في هذا الصدد ، يضفي الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفراي ملاحظته عن رغبة دفينة بالهيمنة الفرنسية على الأفراد و تحديدًا المسلمين ، و هذا ما جعله بعدائه الشديد للدين كفكرة يدافع عنهم ، و هذا أيضًا ما صدع به الفيلسوف الفرنسي بول ريكور حينما قال في كتاب الانتقادات و الاعتقادات أن “أكثر شيء مضحك هو السماح لفتاة مسيحية بتعرية مؤخرتها في حين منع أخرى مسلمة من تغطية رأسها!!”، أي أن فرنسا لا تفارق حتى بين معضلة العام و الخاص و الشخصي و الحيوي و لا تطبق مبادئها المزعومة في الثورة الفرنسية التي ما قامت إلا على قمع و إسكات ممنهج للتاريخ أتى نهايته جليًا في عدة مناسبات بدءً منذ دفاع المتحذلق الصغير ماكرون عن الرسومات المسئية للنبي صلى الله عليه وسلم، و انتهاء بإهانة المسيح و ديانة الدولة التاريخية المعترف بها في دستور الأنوار !!
الثرى و الثريا :بين أولمبياد باريس و مونديال قطر .
قامت حملة غاضبة من الإعلام الغربي مفادها أن ميسي قد لبس البيشت العربي تأثرا بالإرهاب و التزمت التى قامت بهندسته قطر عقب اختيارها من لجنة تحكيم الفيفا في مونديال البرازيل عام ٢٠١٤ ، في حقد دفين و مخالفة واضحة لاختراق قيم التحضر و الرقي الغربي بحسبهم المزعوم ، بهدف التشويه و التشهير لقطر في المونديال و سحب الثقة منها في أي لجان قادمة لعدم آخذ الدورة المقبلة في المونديال فيما بعد ،متضمنة كذلك حملة تشهير و تشويه متعمدة لنجم المنتخب السابق محمد أبو تريكه لهجومه المنطقي من وجهة نظره الشخصية على ارتداء الفرق الشارات الملونة الخاصة بشهر الاحتفال بموبقات قوم لوط .
و عند النظر لمعايير التقييم على المونديال، لابد من الأخذ في الاعتبار ثلاثة محاكمين و هم الجماهير المشجعة ، و لجنة الفيفا ، و كذلك اللاعبين المحترفين ، نستنى من ذلك طبعًا الإعلام اللبيرالي الغربي و الدول اليسارية و الاستعمارية المتطرفة لما تكنه هذه الدول للأجندات من احترام و إرهاب و مصادرة تصل لحد الاعتقال أو النفي و الطرد خارج البلاد ، و هو ما حدث بالفعل مع بعض الصحفيين الألمان و البريطانيين و الفرنسيين و الروس . بالإضافة لما سبق ، يربط الكثير في حركة موفقة و عميقة بين سقوط الفكر الغربي و اللبيرالية لعدم التزامها بمبدأي الالتزام بالتنوع و احترامه ،و هذا ما أكده مايكل ساندال البروفسير في فلسفة العدالة في جامعة هارفارد باعتبار أن الأخلاق لحظات و مبادئ “إن قلب السوق رأسًا على عقب ما اشتراها” .
و هذا ما استشعره حتى جياني مورابرونيز رئيس الفيفا نفسه حينما أشاد بتنظيم قطر للمونديال ، و قال بصريح العبارة أن القارة الأوربية لديها نزعة بأنها تملك كل شيء على تلك الأرض ،”فلندع كل دولة تلتزم بقيمها الخاصة”، و بالطبع بمنتهى الحرية و المساواة .
و أشاد الجمهور كذلك بالتنظيم و الإدارة ، ووصل الأمر لفوز المونديال الخاص بأفضل مونديال لتصويت موقع bbc لأفضل مونديال في العقدين الأخيرين أعلى من طوكيو و بكين و برلين و باريس و ريو دي جارينيو بسبب إجراءات تتمشى مع العقيدة الإسلامية مثل منع شرب الخمر في الأماكن العامة و ارتداء الشارات الملونة و منع كذلك التعري الكامل للرجال و النساء للتباهي بأعضائهم التناسلية في الشوارع .
و مناقضة لقطر ، أتت أولمبياد الألوان بفرنسا لتمتع بزمرة مميزة من الإخفاقات التي فاقت التوقعات ، منها على سبيل المثال، وضع الأسرة من الكرتون بدلًا من مرتبات الأسفنج و الخلط المعتمد بين وضع علم أفغاستان للاحتفال بفوز المصارع الطاجكي دولتات محمد ، و الإشارة لجمهور كوريا الجنوبية باسم جمهورية كوريا بالتسمية الرسمية للشقيقة الشمالية التي يحكمها المجنون كيم جونغ أون ، فضلًا عن شكوى اللاعبين سامي بينتي من جودة المياه للسباحة و نوم العداء الإيطالي توم سديمليو ، و احتلال الفئران في لفتة مميزة تعود بينا لأجواء حية من الطاعون الأسود و لكنه سواده مطلي بالأبيض اللون الأوسط في علم فرنسا الذي يعبر عن انعدام و تهرب بدافع فرض أيدولوجي إجباري على الجميع بدافع الانتقام و الثأر من طواحين هواء تحوم في عقل المرضى النفسيين ، الذي وصفها عالم الاجتماع الفرنسي جيراليد دينوير بنهاية الإدراك .
حتمية الإقصائية :أمريكا كعنصرية فرنسية ضد السود .
في عام ١٩٦٨ و بعد انتهاء أولمبياد نيو مكسيكو ، وقف العدائان تومي سميث و جون ريتشارد الفائزان بذهبية الجري للولايات ليفاجأ العالم أجمع أنذاك باستمرار سياسة التمييز العنصري و الفصل لمجرد لون البشر!!
حيث خطب تومي سميث بمنتهى الوضوح و الصدق ليقول أنه لن يقولوا عليه إلا أنه “زنجي “حتى و هو فائز بميدالية أولمبية و لن يعنتوه بالأسود إلا في ظل الأحداث و المؤتمرات العامة ، مسببًا بكلماته حالة من الجدل الممزوج بالصدمة لدى كافة دول العالم ، و يعري في النهاية حقيقة أمريكا العنصرية بعد أن حاولت تجميل صورتها القبيحة آنذاك لشبهات تحوم حول إهمال و تجاهل معتمدين حيال قضايا اغتيال قادة الحركات المناهضة للعنصرية .
في ظل هذا السياق الإقصائي ، يمكن أن نعتبر أن ثقافة قبول الآخر بالمعنى الغربي بوابة للاستباحة و الانتهاك الممنهج ، أو بتعبير المفكر المصري ممدوح الشيخ أن خصمك حينما ينزع عنك إنسانيتك فإنه يجعلك مستباحًا ، و هو مشابه لما انتهجه إبليس في الإغواء و إضلال بني أدم عن الصراط المستقيم ليبني في نهاية المطاف حول البشر أفران من الغاز مثلما نقل عبد الرحمن ضاحي عن المفكر الراحل مالكوم اكس رحمه الله في دليل على أن الغرب و إن تعددت أوجهه فمصدرية تلك الأوجه متشابهة كمثل الأخيين التوأم ذوي لون البشرة المختفلة .
فما أولمبياد باريس إلا حلقة أوضح من سابقتها عن مدى السقوط الحضاري و الاضمحلال التي وصلت له أوربا عامة و فرنسا خاصة ذم فيها مفكرون بارزون مثل الناقد و الفيلسوف تزفيان توردوف الذي وصف الحرية الغربية بالقيد المكبل للمرء في حياته ، و هي بهذه المعنى سجن كبير يوهم ساجنوه فيه مسجونيهم بأنها أكثر استقلالية و انفتاحًا من مساجين أخرين مخالفين بذلك إرث فولتير و روسو بالاحترام المتبادل و الحرية و الدفاع عن المخالف بمنتهى الشجاعة ملتزمين بذلك حتى النهاية مع انحرافاتهم الشخصية و الأسرية العميقة . و رغم ذلك ، تمتع المفكرون في عصر التنوير بنسبة ما من المعقولية و الكرامة و الأخلاق مكنتهم من الدفاع عن المخالف لا أن يحوطوا أنفسهم بسجن عاجي عالي الأسوار يحاولوا فقط إثبات جودة السجن لا في مدى خطأ عملية السجن نفسها !!






